منذ أشهر، والعالم يراقب تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران، الذي تحوّل تدريجياً من حرب ظلّ إلى مواجهة أكثر علنية وشمولاً. هذه الحرب، وإن كانت تأخذ طابعًا عسكريًا مباشرًا بين قوتين إقليميتين، فإنها تجري على أرضية إقليمية ملتهبة، أبرز معالمها اليوم استمرار تدمير قطاع غزة وسقوط آلاف الضحايا الفلسطينيين، في واحدة من أكثر الحملات دموية منذ نكبة 1948.
المواجهة بين إسرائيل وإيران: من الضربات الخفية إلى الانفجار العلني
تاريخ الصراع بين إسرائيل وإيران ليس وليد اللحظة. فمنذ الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، شهدت العلاقة بين الطرفين عداءً متناميًا، وصل ذروته خلال السنوات الأخيرة مع التوسع الإيراني في سوريا ولبنان، وتعاظم دور “محور المقاومة”. غير أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً نوعيًا في شكل الصراع، حيث باتت الضربات الجوية الإسرائيلية تستهدف بشكل مباشر قيادات إيرانية ومواقع حيوية في سوريا والعراق، فيما ردت إيران لأول مرة بشكل علني عبر إطلاق صواريخ ومسيرات على الأراضي الإسرائيلية في سابقة غير معهودة.
ومع هذا التصعيد، بدا واضحًا أن الساحة الإقليمية دخلت مرحلة جديدة من الصراع المفتوح، إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على تصفيات استخباراتية أو حروب بالوكالة، بل تحوّل إلى صدام عسكري مباشر يحمل مخاطر الانزلاق إلى حرب شاملة.
غزة في مرمى العدوان… مرة أخرى
في موازاة هذه التطورات، تواصل إسرائيل حربها الشرسة على قطاع غزة، في إطار حملة عسكرية وُصفت بأنها “الأكثر وحشية” منذ بدء الحصار على القطاع قبل نحو عقدين. أكثر من 36 ألف شهيد فلسطيني، غالبيتهم من الأطفال والنساء، وعشرات الآلاف من الجرحى، ودمار واسع طال البنية التحتية والمراكز الطبية والتعليمية، كلها مؤشرات على أن ما يجري في غزة ليس مجرد حرب، بل عملية إبادة ممنهجة تهدف إلى إفراغ الأرض من أهلها.
اللافت أن الحرب على غزة لم تهدأ رغم انشغال إسرائيل بجبهة الشمال وتوسع جبهة الجنوب. فالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية تعتمد مبدأ “الحرب على الجبهات المتعددة”، مدفوعة بدعم أمريكي وأوروبي، وصمت عربي رسمي يكاد يكون تواطؤًا.
البعد الاستراتيجي: تشتيت الصراع أم توسيعه؟
يقرأ محللون أن تل أبيب تسعى من خلال الانخراط في المواجهة مع إيران إلى تدويل الصراع، ودفع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى توسيع الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل. فالصراع مع إيران يُقدّم أمام المجتمع الدولي كصراع ضد “الخطر الشيعي” أو “التهديد النووي”، بينما يُخفي في طياته الرغبة الإسرائيلية القديمة في كسر أي محور إقليمي يناهض احتلالها لفلسطين.
من جهة أخرى، فإن ربط الحرب مع إيران باستمرار العدوان على غزة يخدم إسرائيل في فرض سردية “الدفاع عن النفس”، ويساعدها في تأجيل أي ضغط دولي محتمل لوقف إطلاق النار أو الاعتراف بدولة فلسطينية.
فلسطين في قلب الصراع… والقضية لا تموت
رغم قسوة المشهد، ورغم الغطرسة العسكرية الإسرائيلية، تبقى القضية الفلسطينية حاضرة في وجدان الشعوب، وفي صلب التحولات الإقليمية. فالحرب الإسرائيلية على غزة، وما ترافق معها من مجازر موثقة بالصوت والصورة، خلقت موجات تضامن واسعة في العالم، وأعادت الزخم لقضية ظنّ البعض أنها طُويت.
وبينما تسعى إسرائيل لتصدير أزمتها الداخلية (السياسية والمجتمعية) نحو الخارج، عبر فتح جبهات حرب هنا وهناك، يظل الشعب الفلسطيني، بصموده وتضحياته، المعادلة الأخلاقية والسياسية التي تفضح هذا النظام الاستعماري، وتحرج داعميه الدوليين.
في الختام…
الحرب الإسرائيلية الإيرانية، بصرف النظر عن مآلاتها، لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع: محاولات إسرائيل ترسيخ تفوقها الإقليمي، وتصفية القضية الفلسطينية بالقوة. ومع ذلك، فإن المقاومة المتواصلة، والمشهد الدموي في غزة، يثبتان أن كلفة الاحتلال والعدوان أكبر من أن تُحتوى بخطاب القوة. فما زال صوت الشعوب أقوى من دوي المدافع، وما زال الدم الفلسطيني شاهدًا على ظلم لن يدوم.

