كتب: أحمد أكلكيم
حين دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى إطلاق مشروع وطني شامل للنهوض بالسلوك المدني في الفضاءات العمومية، لم يكن الأمر مجرد دعوة إلى احترام النظافة أو المحافظة على الممتلكات الجماعية، بل كان في جوهره استدعاءً لسؤال أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة التي تربط المواطن بمجاله المشترك، وبالطريقة التي تتجسد بها المواطنة في الحياة اليومية.
فالفضاء العمومي ليس مجرد شارع أو حديقة أو ساحة أو مرفق جماعي. إنه، وفق المقاربة السوسيو-ثقافية، المجال الذي تتجلى فيه قيم العيش المشترك، وتتقاطع داخله الحقوق بالواجبات، كما يعكس مستوى الوعي الجماعي الذي بلغته المجتمعات. ولذلك فإن جودة الفضاء العمومي لا تقاس فقط بما يتوفر عليه من تجهيزات وبنيات تحتية، وإنما كذلك بالسلوكات التي يمارسها المواطنون داخله، وبدرجة احترامهم للقواعد التي تجعل من هذا الفضاء ملكاً للجميع لا مجالاً للاستغلال الفردي أو العبث.
لقد أظهرت تجارب العديد من الدول أن التنمية ليست مجرد مؤشرات اقتصادية أو مشاريع عمرانية ضخمة، بل هي أيضاً ثقافة مدنية تتجسد في تفاصيل الحياة اليومية. فالمواطن الذي يحافظ على نظافة الشارع، ويحترم الممتلكات العامة، ويلتزم بقواعد السير، ويتعامل مع الفضاء المشترك باعتباره امتداداً لبيته الخاص، يساهم بشكل مباشر في بناء شروط التنمية المستدامة. وفي المقابل، فإن السلوكات السلبية من قبيل تخريب المرافق العمومية، ورمي النفايات في غير أماكنها، واحتلال الملك العمومي بشكل عشوائي، تشكل استنزافاً مستمراً للموارد العمومية وتعرقل جهود التنمية مهما بلغت الاستثمارات المرصودة لها.
ومن هذا المنطلق، تبدو دعوة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ذات أهمية خاصة، لأنها تنقل النقاش من منطق تدبير الفضاء العمومي إلى منطق بناء ثقافة الفضاء العمومي. فالمشكلة ليست دائماً في غياب القوانين أو ضعف البنيات، بل في هشاشة التمثلات الاجتماعية المرتبطة بالملك المشترك. إذ ما زالت فئات من المواطنين تتعامل مع الفضاء العمومي باعتباره فضاءً بلا مالك، في حين أن جوهر المواطنة الحديثة يقوم على اعتبار هذا الفضاء ملكاً جماعياً يستوجب الحماية والرعاية من الجميع.
وتكتسي المدرسة والأسرة ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في ترسيخ هذه الثقافة. فالسلوك المدني لا يُفرض فقط عبر العقوبات والزجر، بل يُبنى بالتنشئة الاجتماعية والتربية على القيم. لذلك فإن أي مشروع وطني للنهوض بالسلوك المدني ينبغي أن يتجاوز المقاربة الظرفية أو الحملات الموسمية، ليتحول إلى ورش ثقافي وتربوي دائم يهدف إلى إعادة بناء العلاقة بين المواطن ومجاله العمومي.
وفي السياق المغربي، حيث تشهد المدن تحولات عمرانية متسارعة وتتزايد الرهانات المرتبطة بجاذبية المجالات الحضرية والاستثمار والسياحة وجودة الحياة، يصبح الفضاء العمومي أحد المؤشرات الأساسية على مستوى التحضر والتنمية. فالمدينة التي تحترم فضاءاتها العمومية وتحافظ عليها ليست فقط مدينة أكثر جمالاً، بل هي أيضاً مدينة أكثر قدرة على إنتاج الثقة الاجتماعية وجذب الاستثمار وتحقيق الاستدامة.
إن التنمية المستدامة تبدأ من السلوك اليومي قبل أن تبدأ من المخططات والاستراتيجيات. ومن هنا فإن الاستثمار في المواطن، باعتباره فاعلاً ثقافياً ومدنياً، يظل الرهان الحقيقي لإنجاح كل السياسات العمومية. فحين يصبح احترام الفضاء العمومي سلوكاً تلقائياً، تتحول المواطنة من شعار نظري إلى ممارسة يومية، وتغدو التنمية المستدامة واقعاً ملموساً لا مجرد هدف معلن في الوثائق والتقارير.
فالفضاء العمومي، في النهاية، ليس مجرد مكان نتقاسمه، بل هو مرآة تعكس صورة المجتمع

