كتب/ أحمد أكلكيم
مع اقتراب فصل الصيف، يعود النقاش من جديد حول تدبير الموارد المائية، ليس فقط باعتباره قضية تقنية أو قطاعية تهم المختصين، بل باعتباره رهاناً مجتمعياً يرتبط بشكل مباشر بمستقبل الأمن الغذائي والتنمية والاستقرار. فالماء الذي يشكل أساس الحياة لم يعد مورداً متاحاً بالوفرة التي اعتادت عليها الأجيال السابقة، بل أصبح أحد أكبر التحديات التي تواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين.
صحيح أن الموسم المطري المنصرم كان استثنائياً نسبياً مقارنة بسنوات الجفاف المتتالية التي عرفتها المملكة، حيث شهدت مختلف جهات المغرب تساقطات مطرية مهمة ساهمت في رفع حقينة السدود وإنعاش الفرشات المائية وتحسين المؤشرات الفلاحية، إلا أن هذا التحسن الظرفي لا ينبغي أن يدفع إلى الاطمئنان المفرط أو إلى العودة إلى سلوكيات الاستهلاك غير الرشيد للماء.
فالمعطيات العلمية تؤكد أن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً، وأن فترات الجفاف الطويلة والتقلبات المناخية الحادة ستظل جزءاً من المشهد البيئي خلال السنوات المقبلة. لذلك فإن وفرة المياه في موسم واحد لا تعني نهاية الأزمة، بل تمنح فقط فرصة إضافية لتعزيز ثقافة الاقتصاد في الماء وترسيخ ممارسات الاستعمال المسؤول لهذه الثروة الحيوية.
وتبرز أهمية هذا الوعي أكثر عندما نستحضر العلاقة الوثيقة بين الماء والأمن الغذائي. فالقطاع الفلاحي، الذي يؤمن جزءاً كبيراً من حاجيات المغاربة الغذائية ويوفر آلاف مناصب الشغل، يعتمد بشكل أساسي على الموارد المائية. وكل تراجع في المخزون المائي ينعكس مباشرة على الإنتاج الزراعي، وعلى أسعار المواد الغذائية، وعلى قدرة البلاد على ضمان أمنها الغذائي في ظل الأزمات الدولية المتلاحقة.
إن فقر الماء لم يعد مشكلة تخص مناطق معينة من العالم، بل تحول إلى تهديد عالمي يطال دولاً غنية وفقيرة على حد سواء. وتشير تقارير دولية إلى أن مئات الملايين من البشر يعيشون اليوم تحت ضغط مائي متزايد، بينما تتنافس الدول على تأمين مواردها المائية باعتبارها مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الطاقة والغذاء.
ومن هنا تكتسي مسؤولية المواطن أهمية خاصة. فترشيد استهلاك الماء لا يبدأ من السياسات العمومية وحدها، بل من السلوك اليومي داخل المنازل والضيعات الفلاحية والمؤسسات الاقتصادية والسياحية. فكل لتر من الماء يتم توفيره اليوم يساهم في حماية حق الأجيال القادمة في هذه الثروة الطبيعية.
إن فصل الصيف، بما يرافقه من ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الاستهلاك، يجب أن يكون مناسبة لتجديد الوعي الجماعي بقيمة الماء، لا مناسبة للإسراف والتبذير. فالمعركة ضد فقر الماء ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مجتمع بأكمله يدرك أن الأمن المائي هو المدخل الأساسي للأمن الغذائي، وأن حماية قطرة الماء اليوم هي استثمار في مستقبل الوطن غداً.
وإذا كان المغرب قد نجح خلال العقود الماضية في بناء سياسة مائية رائدة مكنته من مواجهة العديد من التحديات، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تعبئة أكبر وانخراطاً أوسع من جميع الفاعلين. فالماء ليس مجرد مورد طبيعي، بل هو شرط للحياة والتنمية والكرامة الإنسانية، وحسن تدبيره أصبح واجباً وطنيا واقيا يهم الجميع.

