Le212news.ma
تعيش الساحة المهنية للصحافة المغربية، هذه الأيام، على إيقاع حركة دؤوبة تزامناً مع اقتراب موعد انتخاب أعضاء المجلس الوطني للصحافة، المقرر يوم 15 شتنبر الجاري. حركة تتقاطع فيها جهود اللجنة المؤقتة المكلفة بالإشراف على العملية الانتخابية، مع حركية الصحفيين المهنيين وناشري الصحف، إلى جانب الحملة التي يخوضها عدد من الزميلات والزملاء المرشحين، كل من موقعه، سعياً إلى إقناع الجسم الصحفي ببرامجه وتصوراته للمجلس المقبل.
وبقدر ما تبدو هذه الدينامية الانتخابية شبيهة بمختلف الاستحقاقات المهنية، فإنها تحمل في عمقها أسئلة تتجاوز مجرد التنافس على المقاعد. فهي، في جانب منها، اختبار حقيقي لمدى قدرة الفاعلين داخل المهنة على استعادة الثقة، وترجمة تطلعات الصحفيين والناشرين إلى اختيارات انتخابية تعكس انتظاراتهم الفعلية.
وفي خضم هذا الحراك، تبدو بعض المعايير التقليدية التي اعتاد المهنيون اعتمادها في تقييم المرشحين بحاجة إلى إعادة نظر. فميزان القوى في انتخابات مهنية من هذا النوع لا يقاس بالضرورة بالأقدمية وحدها، ولا بالسن، ولا بعدد سنوات التجربة، ولا بحجم الظهور الإعلامي، كما لا يمكن اختزاله في عدد المرات التي ظهر فيها هذا المرشح أو ذاك على شاشات التلفزيون أو الإذاعة.
فالانتخابات، في نهاية المطاف، لا تمنح أصواتها للأرشيف المهني، وإنما للأشخاص الذين ينجحون في بناء علاقة ثقة مع زملائهم.
وهنا تبرز الثقة باعتبارها التيرمومتر الحقيقي للحظوظ الانتخابية. وهي ثقة لا تصنعها بالضرورة الأضواء، ولا كثرة الظهور، ولا قوة الحضور على منصات التواصل الاجتماعي، وإنما تتشكل من تفاصيل إنسانية ومهنية دقيقة تراكمت عبر سنوات العمل.
قد يكون صحفي أقل حضوراً في المشهد الإعلامي، لكنه أكثر حضوراً في ذاكرة زملائه ومواقفهم اليومية. وقد يكون آخر صاحب تجربة طويلة ورصيد مهني مهم، لكن ذلك لا يعني تلقائياً أن هذا الرصيد سيتحول إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.
وفي المقابل، قد يحظى مرشح بثقة زملائه لأنه كان قريباً منهم في لحظات الحاجة، أو لأنه عرف كيف يحافظ على علاقاته المهنية والإنسانية بعيداً عن الحسابات الظرفية، أو لأنه ظل وفياً لمبادئ المهنة حتى عندما لم تكن الأضواء مسلطة عليه.
لذلك، فإن الحملة الانتخابية الحالية يمكن قراءتها أيضاً من زاوية سوسيومهنية: من هو المرشح الذي استطاع أن يقنع الصحفيين بأنه يمثلهم فعلاً؟ ومن هو الذي تمكن من تحويل حضوره المهني إلى رصيد من الثقة؟
هذه الأسئلة قد تكون أكثر دلالة من سؤال الأقدمية أو الشهرة.
فصندوق الاقتراع لا يعرف عدد الساعات التي قضاها المرشح أمام الكاميرا، ولا عدد المواد التي قدمها، ولا حجم حضوره في المنابر الإعلامية. إنه يعرف شيئاً واحداً عندما يضع الناخب علامة اختياره: هل أثق في هذا الشخص أم لا؟
ومن هنا، فإن الأيام الأخيرة التي تفصل عن موعد الاقتراع قد تكون حاسمة في إعادة ترتيب الصورة التي تقدمها الحملات الانتخابية. فالمظاهر الانتخابية شيء، وما يختزنه الناخب المهني من قناعة شخصية شيء آخر.
ولعل أهم ما تكشفه هذه الانتخابات هو أن الجسم الصحفي نفسه أصبح أكثر قدرة على التمييز بين الحضور الإعلامي والحضور المهني، وبين الشهرة والثقة، وبين الخطاب الانتخابي والممارسة الفعلية.
وفي انتظار أن تتحدث صناديق الاقتراع يوم 15 شتنبر، تبقى كل التوقعات مجرد قراءات واحتمالات. أما الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل التأويل، فهي أن الأصوات ستذهب في النهاية إلى حيث توجد القناعة.
وقد يكون الدرس الأبرز في هذه الانتخابات أن ميزان القوى الحقيقي لا يوجد فوق المنصات ولا أمام الكاميرات، وإنما يوجد في التفاصيل الصغيرة التي صنعت علاقة المرشح بزملائه، وفي مقدار الثقة التي استطاع أن يراكمها داخل الوسط المهني.
إنها تفاصيل قد لا تظهر في الحملات الانتخابية، لكنها قد تظهر بقوة عندما تفتح صناديق ا

