شهد المغرب في الآونة الأخيرة موجة احتجاجية قادها شباب جيل Z، رافعين مطالب سوسيو-اقتصادية أساسية تتعلق بالصحة والتعليم وفرص الشغل، إضافة إلى مطلب محاربة الفساد. وقد اختار هؤلاء الشباب الفضاء العام للتعبير عن أصواتهم، بعيدًا عن البنيات التقليدية من أحزاب ونقابات وجمعيات، في ما يعكس أزمة ثقة حادة بين الجيل الجديد وهذه المؤسسات.
لكنّ الجانب السوسيولوجي في هذه الظاهرة ليس فقط في أصل الاحتجاج، بل في المآل الذي انزلقت إليه بعض هذه التحركات، حيث سُجّلت أعمال عنف طالت ممتلكات مواطنين، بل حتى استهداف مركز للدرك الملكي في حالة شاذة، فضلًا عن مشاركة أعداد كبيرة من القاصرين في أعمال الشغب. هذا التحوّل يطرح سؤالًا جوهريًا: أين دور ا الاباء/لأسرة في التأطير والوقاية من مثل هذه الانحرافات؟
تاريخيًا، تظل الأسرة في المجتمع المغربي المؤسسة الأكثر رسوخًا في إنتاج القيم وضبط السلوكيات. فهي، بخلاف الأحزاب أو النقابات، لا تخضع لمنطق انتخابي أو ظرفي، بل ترتكز على علاقة وجدانية وتربوية مستمرة، تبدأ منذ الطفولة وتستمر مدى الحياة. وبقدر ما نجحت الأسرة في غرس قيم المواطنة والمسؤولية، بقدر ما جنّبت أبناءها الانزلاق في مسارات منحرفة.
حاليا، هناك شبه اجماع على ان الاحزاب السياسية فقدت من جاذبيتها لدى الشباب، بعدما عجزت عن مواكبة تطلعات جيل Z أو تقديم بدائل واقعية.
نفس الشيء بالنسبة للنقابات التي لم تعد قادرة على تأطير المطالب الاجتماعية كما كانت في عقود سابقة، مما جعل الشارع والإعلام الجديد بديلًا لها.
أما الأسرة، فبقيت الحاضن الأخير الذي يمكن أن يقي الشباب من الانجراف نحو العنف والفوضى، لأنها المؤسسة الأكثر التصاقًا بالتجربة اليومية للأبناء.
من منظور سوسيولوجي، ضعف الدور الأسري في بعض الحالات، إلى جانب هشاشة منظومات التربية الرسمية وانسحاب المؤسسات الوسيطة، أدى إلى ترك الشباب يواجهون وحدهم ضغط الواقع الاجتماعي والرقمي. هذا الفراغ القيمي جعل بعضهم عرضة لخطابات تحريضية، ولإغراءات العنف باعتباره وسيلة “للرد” على الإحباط. مشاركة القاصرين تكشف بدورها عن فجوة تربوية تستدعي وقفة عميقة.
إن ما وقع في بعض الوقفات الاحتجاجية الاخيرة لشباب جيل z يكشف أن غيابالاباء/ الأسرة أو ضعف حضورها في التأطير الاجتماعي، يفتح المجال أمام انزلاقات قد تمس بالوطن وسلامة المواطنين. لذلك، فإن إعادة الاعتبار لمؤسسة الأسرة، عبر تقوية أدوارها التربوية والقيمية، هو السبيل الأنجع لمواكبة تحولات جيل Z، ولضمان أن تظل الاحتجاجات فعلًا مدنيًا واعيًا، لا مناسبة للعنف أو التخريب.

