دبي : الكاتب سعيد ودغيرى حسني
في خضم تأملاتي حول وفرة المياه في الإمارات تذكرت خطاب جلالة الملك محمد السادس حول الماء حيث أشار إلى ضرورة إيجاد حلول استعجالية منها تحلية ماء البحر وحلول أخرى مستدامة كانت تلك الكلمات بمثابة دعوة لليقظة والعمل العاجل أدعو لجلالته بالصحة وطول العمر وأن يبارك الله له في كل الخطوات التي يقوم بها للرفع من مستوى المملكة إلى أعلى درجات التقدم والازدهار دائما وأبدا وإذا كان الماء هو سر الحياة فإن توفيره لأجيالنا القادمة هو من أسمى مسؤولياتنا في هذا العصر الذي يواجه العديد من التحديات البيئية والفكرية التي تفرض علينا أن نكون أكثر وعياً واستباقية في مواجهة الأزمات المحتملة فالماء ليس فقط مصدر الحياة بل هو في صميم التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر وتوفير المياه في دولة مثل الإمارات التي تعاني من قسوة المناخ والتضاريس الصحراوية هو إنجاز كبير يمكن أن يُحتذى به من قبل العديد من الدول الأخرى التي تواجه نفس التحديات
إن الإمارات بما تملكه من إرادة سياسية ورؤية استراتيجية تهدف إلى تحقيق الاستدامة البيئية وموارد مائية مستدامة نجدها تعمل بجد لإيجاد الحلول الفعالة سواء عبر البحث العلمي أو التقنيات الحديثة أو التعاون الدولي وفي هذا السياق تزداد أهمية مثل هذه الخطوات لأننا في زمن لا يمكننا فيه التراخي أمام التحديات البيئية فالتأخير في إيجاد الحلول لمشكلات المياه سيؤدي إلى تفاقم الأزمة على المدى الطويل وربما يُفوت على الأجيال المقبلة الفرص التي نتمتع بها الآن من خلال تجارب دول مثل الإمارات التي تواصل تقديم نفسها كمثال للأمل والابتكار في مواجهة الصعاب
إن كلمات جلالة الملك محمد السادس تظل بمثابة تذكير للمسؤولين والمواطنين على حد سواء بضرورة العمل المشترك والإسراع في وضع حلول مستدامة تضمن حياة كريمة للجميع وفي مقدمتها توفير المياه فالابتكار هو السبيل للنجاة في عالم سريع التغير حيث تعد الموارد المائية من أغلى الممتلكات التي يجب المحافظة عليها والبحث عن طرق جديدة لاستخدامها بشكل حكيم واستدامتها للأجيال القادمة
مقدمة شعري
يا سائلاً عن سر ديمومة الحياة
هو في تساقط قطرةٍ تهب النجاة
هو في الجداول في البحار وفي المدى
هو في انبثاق النبع في جوف الفلاة
هو آية الرحمن توقع نبعها
يهدي الحياة لواحةٍ ملأى الصفات
إن غاب عن أرضٍ تنادي بالظما
نضبت عروق العشب واحتضر النبات
لكنه في العزم يولد من هوى
من كل ذرَّات الفضاء بلا شتات
إن شئتَ فاصنعه ببحثك وارتق
فالعلم يبني ما تعثر في الحياة
الماء بين الحاجة والابتكار
الماء، ذلك العنصر الذي لا يمكن للإنسان أن يعيش بدونه يشكل حجر الزاوية لجميع أشكال الحياة على الأرض. ومع ذلك، فإننا نواجه في عصرنا أزمة مائية عالمية تهدد العديد من الدول خاصة في المناطق الجافة أو شبه الجافة.
فقد بات شح المياه مشكلة ملحة في العديد من المناطق حول العالم، ومع تزايد تأثير التغيرات المناخية أصبحت معدلات الأمطار تتناقص ودرجات الحرارة ترتفع، مما يعمق من أزمة المياه ويزيد من معاناة الدول التي كانت تعتمد في يوم من الأيام على الموارد الطبيعية للمياه.
في هذا السياق تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كمثال رائد للابتكار والبحث عن حلول مبتكرة لمواجهة هذه التحديات البيئية الكبرى. فقد أظهرت الإمارات قدرة استثنائية في تحويل هذه الأزمة إلى فرصة عبر استخدام أحدث التقنيات لتوفير المياه المستدامة.
ولكن ما يجعل الإمارات مميزة في هذا المجال هو الاستثمار الضخم في التكنولوجيا المائية التي توفر حلولًا مبتكرة وغير تقليدية. من بين هذه الابتكارات التي تسعى الإمارات لتطويرها تبرز تقنية “ما هوا” و”سكاي ريفر” بشكل خاص.
مشروع “ما هوا” – تحويل الهواء إلى ماء
يعد مشروع “ما هوا” أحد أبرز الابتكارات الإماراتية في مجال المياه. هذه التقنية المدهشة تعتمد على استخلاص الماء من الهواء فبدلاً من الاعتماد على مصادر المياه الطبيعية أو محطات التحلية يمكن لتقنية “ما هوا” امتصاص الرطوبة من الجو وتحويلها إلى مياه نقية صالحة للشرب. هذه الفكرة الثورية ليست مجرد حلم بعيد المنال بل أصبحت واقعًا ملموسًا يجسد قدرة الإمارات على ابتكار حلول مستدامة لمشكلة المياه في المناطق الجافة.
تمثل هذه التقنية تحولًا جذريًا في كيفية النظر إلى الماء، حيث تحوّل الهواء إلى مصدر غير تقليدي للمياه. ومع نجاح هذه التقنية تفتح الإمارات أبوابًا جديدة لمستقبل مائي مستدام قادر على توفير المياه في المناطق التي تعاني من شح المياه وبالتالي تساهم في توفير هذه الثروة الحيوية للمواطنين والبيئة.
إن مشروع “ما هوا” ليس مجرد حل لمشكلة المياه في الإمارات، بل يمثل أملًا كبيرًا للدول الأخرى التي تعاني من ظروف مشابهة. فهذه التقنية يمكن أن تكون الحل المنشود للمناطق التي تفتقر إلى مصادر مياه طبيعية أو محطات تحلية مياه مكلفة.
مشروع “سكاي ريفر” – الأنهار في السماء
أما “سكاي ريفر” فهو مشروع مبتكر آخر يسعى إلى إنشاء “أنهار في السماء”.
يعتمد هذا المشروع على تقنيات حديثة تهدف إلى تكثيف الرطوبة في الجو وتحويلها إلى مياه عذبة عبر عمليات ميكانيكية مبتكرة. يشبه هذا النظام دورة المياه الطبيعية في الطبيعة، لكنه لا يتطلب بنية تحتية معقدة أو انتظار موسم الأمطار.
يتم من خلال هذه التقنية تجميع الرطوبة في الجو مما يساهم في توليد مياه عذبة دون الحاجة إلى محطات تحلية تقليدية أو مصادر مياه ثابتة.
إن قدرة “سكاي ريفر” على توليد المياه مباشرة من الهواء توفر إمكانيات غير محدودة لتلبية احتياجات المياه في الأماكن الجافة مما يجعلها أحد الحلول المستقبلية التي يمكن أن تحدث تغييرًا جذريًا في طريقة تفكيرنا حول مصادر المياه.
التحلية: تحويل البحر إلى ماء صالح للشرب
إلى جانب هذه الابتكارات، تسعى الإمارات أيضًا إلى مواجهة الأزمة المائية عبر تقنيات تحلية مياه البحر. تعتمد الإمارات على محطات التحلية المتطورة التي تحول مياه البحر المالحة إلى مياه عذبة صالحة للاستخدام البشري والزراعي. وقد أصبحت الإمارات واحدة من الدول الرائدة عالميًا في هذا المجال بفضل استثماراتها الكبيرة في هذا القطاع.
التغيرات المناخية وأزمة المياه العالمية
إن أزمة المياه ليست مقتصرة على الإمارات أو منطقة معينة بل هي جزء من تحدي عالمي أكبر يتفاقم بسبب التغيرات المناخية.
فقد أدى الاحترار العالمي إلى تغيرات في أنماط الطقس، مما أثر على مصادر المياه الطبيعية وزاد من الجفاف في مناطق كانت تعتمد على الأمطار الموسمية. وفي ظل هذه الظروف تزداد الحاجة إلى حلول مبتكرة لإدارة المياه.
إن الإمارات التي تعتبر واحدة من أكثر الدول تأثرًا بتغيرات المناخ بسبب موقعها الجغرافي، أظهرت التزامًا كبيرًا في مواجهة هذه التحديات من خلال البحث والتطوير في تقنيات تحلية المياه والاستخراج من الهواء، وهو ما يعكس رؤية حكيمة للمستقبل تهدف إلى ضمان استدامة الموارد المائية للأجيال القادمة.
زبدة القول
إن الإمارات تقدم نموذجًا رائدًا في مواجهة أزمة المياه عبر الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة. من خلال مشاريع مثل “ما هوا” و”سكاي ريفر” أثبتت الإمارات قدرتها على تحويل الهواء إلى ماء وتحلية مياه البحر لتوفير مصدر مستدام للمياه في بيئات قاحلة.
وفي وقت يعاني فيه العالم من تحديات بيئية معقدة، تُظهر الإمارات أن الحلول التكنولوجية والإرادة السياسية يمكن أن تكون محركًا أساسيًا لتغيير الواقع وتحقيق الاستدامة.
هذه الجهود المبتكرة التي تضع الإمارات في طليعة الدول التي تواجه أزمة المياه بشكل استباقي، توفر نموذجًا قابلًا للتطبيق لمختلف الدول التي تسعى لتأمين مستقبلها المائي.
الإمارات عبر هذه المبادرات تبرهن على أن الابتكار هو مفتاح التغلب على التحديات العالمية وأن الاستدامة ليست مجرد حلم بل واقع يُصنع بالعلم والعمل.

