يواجهُ “السلام العالميّ” مخاطرَ ناجمةً عن التحوّل في مركز القوّة العالميّة الاقتصاديّة والجيوسياسيّة من العالم الغربيّ الأطلسي إلى آسيا، وهذا الوضعُ الجديدُ هو تحوّلٌ نمطيٌّ يؤشّرُ إلى نهاية ثلاثة قرونٍ من الهيمنة الغربيّة على العالم
في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، تتجلى ملامح نظام عالمي متعدد الأقطاب، حيث تسعى القوى الكبرى إلى تعزيز نفوذها الإقليمي والدولي، مما يثير تساؤلات حول عودة ما يُعرف بـ”شريعة الغاب” في العلاقات الدولية. تتجسد هذه الديناميكيات في عدة أحداث معاصرة، أبرزها تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الاستيلاء على قطاع غزة وتهجير الفلسطينيين، ومطالب الصين بضم تايوان، وسعي روسيا لاحتواء أوكرانيا.
تصريحات ترامب حول غزة:
أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلاً واسعاً بتصريحاته حول مستقبل قطاع غزة، حيث اقترح أن تتولى الولايات المتحدة “السيطرة” على القطاع بعد انتهاء القتال، مع تهجير الفلسطينيين إلى دول مجاورة مثل مصر والأردن. وقد قوبلت هذه التصريحات برفض عربي ودولي واسع، حيث اعتُبرت خرقًا للقانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.
مطالب الصين بضم تايوان:
تُصعّد الصين من ضغوطها على تايوان، معتبرة الجزيرة جزءًا لا يتجزأ من أراضيها. وقد زادت بكين من تحركاتها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك التوغلات الجوية والبحرية، لتعزيز مطالبها الإقليمية. تأتي هذه التحركات في سياق رؤية الصين لتعزيز وحدتها الوطنية وتأكيد سيادتها على تايوان، مع تحذيرات من التدخلات الخارجية في هذا الملف الحساس.
سعي روسيا لاحتواء أوكرانيا:
منذ عام 2014، وروسيا تسعى لتعزيز نفوذها في أوكرانيا، بدءًا من ضم شبه جزيرة القرم، وصولاً إلى دعم الحركات الانفصالية في شرق البلاد. وقد أدى هذا التدخل إلى فرض عقوبات غربية على موسكو وتوترات مستمرة في العلاقات الدولية. تعتبر روسيا أوكرانيا جزءًا من مجال نفوذها التاريخي وتسعى لمنع انضمامها إلى التحالفات الغربية، مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو).
نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب:
تعكس هذه الأحداث وغيرها من التحركات الإقليمية سعي القوى الكبرى إلى إعادة تشكيل النظام العالمي بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية. ففي حين كانت الولايات المتحدة تتمتع بهيمنة شبه مطلقة بعد الحرب الباردة، نشهد اليوم بروز قوى أخرى، مثل الصين وروسيا، تسعى لتحدي هذه الهيمنة وفرض رؤى جديدة على الساحة الدولية.
عودة “شريعة الغاب”:
يشير مفهوم “شريعة الغاب” إلى حالة من الفوضى وغياب القانون، حيث تسود القوة على الحق. وفي السياق الدولي، يُستخدم هذا المصطلح لوصف تصرفات الدول التي تتجاهل القوانين والأعراف الدولية لتحقيق مصالحها. تُظهر التحركات المذكورة أعلاه ميلاً متزايدًا نحو استخدام القوة أو التهديد بها لتحقيق أهداف سياسية، مما يثير مخاوف من تراجع النظام الدولي القائم على القوانين والاتفاقيات.
الخلاصة:
إن التحولات الجيوسياسية الحالية تشير إلى تصاعد التنافس بين القوى الكبرى وسعيها لإعادة رسم خريطة النفوذ العالمي. هذا الواقع يفرض تحديات جديدة على النظام الدولي ويستدعي تعزيز آليات الحوار والتعاون لتجنب الانزلاق نحو صراعات مفتوحة قد تهدد الأمن والسلم العالميين.

