*) أحمد أكلكيم
من أهم نتائج التورة الرقمية تلك شبكات التواصل الاجتماعي التي اضحت جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية ، وخاصة عند فئة الشباب. فمنصات مثل “تيك توك”، “إنستغرام”، و”يوتيوب” و ” فايسبوك و “وات ساب ” تحولت إلى فضاءات واسعة لتبادل المعلومات، لكن في المقابل، فهي تشكل مرتعاً لمضامين سطحية، تُصنّف في خانة “التفاهة”، تُروَّج عبر محتويات تعتمد على الإثارة، والسخرية، والفضائح، بحثاً عن “اللايك” والمشاهدات، كل ذلك في غياب شبه تام لأي مضمون معرفي أو ثقافي جاد.
ما يثير القلق هو حجم التفاعل الكبير الذي تحظى به هذه المضامين،مما يتطلب مقاربة هذا الموضوع بالرجوع إلى احد فروع علم الاجتماع و هو سوسيولوجيا المتلقي قصد طرح السؤال المحوري لهذا الموضوع و هو كالثاني:
“هل يستبطن الشباب هذه المضامين التافهة، أم أنهم يستهلكونها دون قناعة؟ وهل يؤثر هذا الاستهلاك المكثف على منظومة القيم، والذوق العام، وتمثلات النجاح في المجتمع المغربي؟”
سوسيولوجيا المتلقي
سوسيولوجيا المتلقي، باعتبارها فرعا من علم الاجتماع الإعلامي ،تدرس كيفية تلقي الجمهور للمضامين الإعلامية وتأويلها، تسلط الضوء على أن المتلقي ليس مجرد عنصر سلبي، بل فاعل يعيد إنتاج المعنى حسب سياقه الاجتماعي والثقافي. إلا أن هشاشة البنية التعليمية، وضعف الوعي النقدي، وغياب البدائل الجذابة، تجعل فئات واسعة من الشباب أكثر عرضة للتأثر بهذه المضامين، بل وتبنيها كأنماط حياة.
ففي ظل ضبابية المعايير وغياب الضبط، بات “المؤثر” الذي يصنع محتوى فارغاً من أي مضمون هادف، يحظى بمكانة اجتماعية تفوق أحياناً مكانة الباحث، أو الفنان، أو الصحفي. الأمر الذي يؤدي إلى قلب سلم القيم، وتكريس صورة مشوهة للنجاح، قوامها الشهرة السريعة، لا الكفاءة أو المضمون.
لكن من الضروري أيضاً الإشارة إلى أن فئة من الشباب باتت تُدرك هذا الواقع، وتنتقده علانية، مطالبة بمحتوى يحترم عقل المتلقي، ويغني النقاش العمومي، ويخاطب تحدياتهم الحقيقية. وهنا تبرز مسؤولية الدولة، والمجتمع المدني، والمؤسسات التعليمية، وحتى المنصات و المواقع الإعلامية بمهنييها و مقاولاتها ، في دعم المحتوى الجاد، وخلق فضاءات رقمية بديلة تشجع على التفكير، لا الترفيه الأجوف فقط.
إلا أن ن السؤال المحوري الذي ينبغي أن يؤطر هذا النقاش هو:
“كيف نحصّن وعي الشباب من هيمنة المحتوى التافه، ونعزز في المقابل ثقافة نقدية رقمية تُعيد الاعتبار للعقل والمعرفة في الفضاء الرقمي؟”
الإجابة على هذا السؤال تتطلب عملاً جماعياً، طويل النفس، يدمج بين التربية، والإعلام، والسياسات الثقافية، لإعادة توجيه البوصلة نحو بناء رأي عام شاب، متزن، وواعٍ بدوره في إنتاج المستقبل.
*) صحافي و باحت في علم الاجتماع الاعلامي
.

