Le212news.ma
يشكل اليوم العالمي للمرأة، الثامن من مارس، مناسبة للتوقف عند مسار تحرير المرأة في المغرب، وهو مسار ارتبط خلال العقدين الأخيرين برؤية إصلاحية قادها جلالة الملك محمد السادس، الذي أطلق منذ بداية حكمه دينامية إصلاحية عميقة جعلت من إنصاف المرأة وتعزيز مكانتها داخل المجتمع أحد محاور المشروع المجتمعي المغربي. وقد تجسد هذا التوجه أساسًا في الإصلاح التاريخي الذي عرفته مدونة الأسرة المغربية سنة 2004، ثم في النقاش المتواصل حول تطويرها وتحيينها بما يواكب التحولات الاجتماعية.
عندما أعلن الملك محمد السادس عن مدونة الأسرة الجديدة، لم يقدمها باعتبارها مجرد تعديل قانوني، بل باعتبارها إصلاحًا مجتمعيًا متكاملاً يستند إلى فلسفة تقوم على التوفيق بين مقاصد الشريعة الإسلامية ومتطلبات الحداثة والعدالة الاجتماعية. وقد شكلت هذه المدونة تحولًا نوعيًا في تنظيم العلاقات داخل الأسرة، حيث انتقلت من منطق الوصاية إلى منطق الشراكة والمسؤولية المشتركة بين الزوجين.
ومن بين أهم المقتضيات التي جاءت بها المدونة: رفع سن الزواج بالنسبة للفتيات إلى 18 سنة، إخضاع الطلاق لمراقبة القضاء، توسيع حقوق المرأة في طلب التطليق، وإقرار مسؤولية مشتركة للزوجين في تدبير شؤون الأسرة. كما وضعت المدونة قيودًا صارمة على تعدد الزوجات وربطته بشروط قانونية وقضائية دقيقة، في خطوة اعتبرها العديد من المتتبعين إحدى أبرز محطات الإصلاح الاجتماعي في المغرب المعاصر.
غير أن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقدين الماضيين أظهرت الحاجة إلى مراجعة بعض مقتضيات المدونة وتطويرها. فقد برزت إشكالات عملية تتعلق أساسًا بقضايا مثل زواج القاصرات، وتقاسم الممتلكات المكتسبة خلال الزواج، ومساطر الطلاق والنفقة، إضافة إلى بعض الاختلالات التي ظهرت على مستوى التطبيق القضائي.
وفي هذا السياق، فتح المغرب نقاشًا وطنيًا واسعًا حول تعديل مدونة الأسرة وتحيينها، وهو نقاش يجري في إطار المرجعية نفسها التي قامت عليها المدونة الأصلية، أي الجمع بين الثوابت الدينية والخصوصية الثقافية للمجتمع المغربي ومتطلبات العدالة والمساواة. ويعكس هذا النقاش إرادة واضحة في جعل القانون الأسري مواكبًا للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها الأسرة المغربية.
لقد أظهرت التجربة المغربية أن تحرير المرأة ليس قرارًا ظرفيًا أو استجابة لضغط خارجي، بل هو مسار إصلاحي تدريجي تقوده رؤية ملكية متبصرة، تسعى إلى تحقيق التوازن بين القيم الأصيلة للمجتمع المغربي ومتطلبات العصر. ومن هذا المنطلق، تظل مدونة الأسرة إحدى أبرز تجليات ما يمكن وصفه بـ الثورة الملكية الهادئة في مجال حقوق المرأة.
وبمناسبة الثامن من مارس، يتجدد النقاش حول هذا الورش المجتمعي الكبير، الذي يضع كرامة المرأة المغربية وحقوقها في صلب مشروع تنموي يسعى إلى بناء مجتمع أكثر عدلاً وتماسكًا، تكون فيه المرأة شريكًا كاملاً في التنمية وصناعة المستقبل.

