نيويورك/ عبد الكريم مومن
يولد الابتكار حين ينتزع الخوف من الصدور وتغمر الحرية العقول. فالفكر لا ينمو تحت الظلال الثقيلة للقمع ولا يزهر في أرض التنمر والازدراء فالإنسان لا يبلغ قمة النضج والرقي إلا عندما يطلق لفكرته الأولى العنان يناقشها ويصقلها يرى نواقصها ويعترف بعيوبها ثم يعود ليطوّعها ويطورها حتى ترتقي إلى أرقى مستويات التحليل والإبداع فالفكر كالنبتة كلما سُقي بالحرية واحترام الرأي نمت جذوره وامتدت أغصانه نحو الآفاق
لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي منحت أبناءها حرية التفكير والبحث أصبحت منارات للعالم ففي أثينا القديمة حين انتشر احترام الجدل والنقاش ظهر فلاسفة مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو الذين شكلوا أسس الفلسفة الغربية وفي أوروبا خلال عصر النهضة تحررت العقول من قبضة الكنيسة الصارمة فانبثقت أسماء مثل ليوناردو دافنشي وغاليليو ونيوتن الذين غيروا مسار العلم والفكر البشري
أما في المقابل حين كبحت بعض المجتمعات حرية الفكر خمدت فيها شرارة الإبداع ففي العصور الوسطى عاشت أوروبا قرونًا من الجمود والظلام حين اعتبرت الكنيسة التفكير الحر تهديداً سلطوياً ولم ينهض العلم من سباته إلا عندما ثار المفكرون وطالبوا بحرية التعبير كما حدث مع مارتن لوثر وغيره من رواد الإصلاح الفكري
وفي العالم العربي عاش العصر الذهبي للإسلام حين أطلقت الدولة العباسية حرية البحث والترجمة والمناقشة فظهر علماء مثل ابن سينا والرازي والخوارزمي الذين أسسوا الطب والجبر والبصريات وعندما بدأ التضييق والتعصب لاحقاً خفت وهج الابتكار
الابتكار لا ينشأ في جوف الخوف ولا يتنفس في فضاء المصادرة إنه يحتاج أرضاً خصبة من الحرية والنقد البنّاء لينبت فيها أفكاراً تغير مصير الإنسان وترتقي بالمجتمعات إلى ذرى المجد.
بدون حرية وإحترام، لن تولد حضارة

