لحد كتابة هذه السطور مازال الجدل قائم بخصوص مشروع القانون التنظيمي 97.15 المتعلق بممارسات حق الإضراب في بلادنا ، و لعل المستجد بخصوص هذا الموضوع الدعوة التي وجهها رئيس القطاعات الاجتماعية بالبرلمان إلى كافة أعضاء لجنة القطاعات الاجتماعية لحضور اجتماع سينعقد يوم الثلاثاء 3 دجنبر و ذلك قصد البت و التصويت على المشروع .
في انتظار ما ستؤول اليه اشغال اللجنة ، اقترح على جمهور الموقع الإلكتروني Le 212news.ma, هذه القراءة في السياقات التاريخية و مواقف الهيئات النقابيّة بخصوص مشروع القانون التنظيمي حول ممارسات الإضراب و ما أثاره من افعال و ردود افعال منذ اقتراحه من طرف الحكومة السابقة.
مقدمة:
يُعتبر الحق في الإضراب من أبرز مكتسبات الحركات العمالية والنقابية، ومظهراً حيوياً للديمقراطية الاجتماعية. ومع ذلك، فإن تنظيم هذا الحق ظلّ على مرّ العقود محلّ جدل واسع في السياق المغربي.
يعود النقاش حول مشروع قانون الإضراب إلى عقود مضت، حيث طُرحت الحاجة إلى إطار قانوني يوازن بين حق العمال في التعبير عن مطالبهم الاجتماعية والمهنية، وضرورة الحفاظ على استمرارية المرافق الحيوية وحماية الاقتصاد الوطني.
و قد عرف مشروع القانون التنظيمي رقم15-97 الخاص بممارسات حق الإضراب في لادنا مساراً طويلاً من الحوار الاجتماعي بين الحكومات المتعاقبة، والنقابات، وأرباب العمل. و تخلّلت هذه النقاشات مراحل من التوتر والشد والجذب إلى يومنا،إذ طالبت النقابات بتشريعات تحفظ حق الإضراب دون المساس بجوهره، بينما ركّزت الحكومة على وضع ضوابط تضمن استمرارية العمل في القطاعات الحساسة. ورغم التعديلات التي أُجريت على المشروع، لا يزال رد الحكومة يثير تساؤلات حول مدى التزامها بمبدأ الحوار والتوافق مع الشركاء الاجتماعيين.
و بانطلاق العملية التشريعية التي تؤدي للمصادقة على قانون الإضراب بمجلس النواب (الغرفةالأولى بالبرلمان) خلال يوليوز 2024، وسط مطالب الأحزاب والنقابات بإشراكهم في عمليةالإعداد لهذا القانون، قبل إحالته على البرلمان.
ورغم أن الحكومة (السابقة) أحالت المشروع إلى البرلمان منذ أكتوبر2016، إلا أنه ظل يراوحمكانه بسبب الخلاف بين الحكومة من جهة، وبين النقابات وأحزاب المعارضة من جهة ثانية.
في هذا السياق الذي يتسم بالجدل ،يبرز السؤال المحوري: هل يحقق مشروع قانون الإضراب التوازن المطلوب بين صيانة حقوق العمال وضمان استقرار العمل والإنتاج، أم أنه يحمل في طياته مخاطر تقويض الحق في الإضراب خاصة في ظل ما تعرفه المؤسسة النقابة من ضعف؟
* تذكير بالمسار التشريعي و التفاوضي لمشروع القانون التنظيمي رقم15-97.
تم عرض المشروع التنظيمي الخاص بشروط و كيفيات ممارسة حق الإضراب على المجلس الحكومي بتاريخ 28يولوز2016 و المصادقة عليه في المجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 26 شتنبر2016, تم أحالت الحكومة المشروع إلى مجلس النواب بتاريخ 6 أكتوبر 2016، الذي أحاله بدوره إلى لجنة القطاعات الاجتماعية بتاريخ 3 فبراير2017.
غير ان مواقف المنظمات النقابية الداعية إلى اعتراض المشروع ساهمت في عدم تقدمه حيث ترى النقابات ان المشروع لا ينسجم و مقتضيات الدستور والمعايير الدولية المتعلقة بممارسة الإضراب في الوقت الذي ترى فيه الحكومة ان الهدف الأساسي هو وضع قانون يحمي جميع الأطراف ، مع الحرص على عدم المساس بحرية ممارسةً حق الاضراب.
و رغبة في اخراج هذا المشروع إلى الوجود واستكمال مسطرة المصادقة عليه ، التزمت الحكومة و الشركاء الاجتماعيون بعقد جولات الحوار الاجتماعي الوطني الثلاثي الاطراف و و ذلك حسب الجدول الزمني الثالي:
. إتفاق 25 أبريل 2019: الالتزام بالتشاور مع جميع الشركاء الاجتماعيين.
.إتفاق 30 أبريل 2022: الاتفاق على تقديم مشروع قانون الإضراب إلى الهياكل المنصوص عليها في الميثاق الوطني للحوار الاجتماعي و إخراجه إلى حيز الوجود قبل قبل نهاية الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية للولاية التشريعية الحالية.
.إتفاق 29 أبريل 2024: الاتفاق على اخراج القانون التنظيمي لممارسة حق الإضراب و لا سيما ما يتعلق ضمان انسجام هذا القانون مع أحكام الدستور،و التشريعات الدولية و تأطير حق الممارسة في القطاعين العام و الخاص بما يضمن التوازن بين ممارسة هذا الحق و حرية العمل و ايضاً التدقيق في مختلف المفاهيم المتعلقة بممارسة هذا الحق إلى جنب ضرورة توفير حد ادنى من الخدمات أثناء الاضراب حسب خصوصيات كل مرفق، و أخيراً تعزيز آليات الحوار و التصالح و المفاوضة في حل نزاعات الشغل الجماعية .
و بحسب الأرقام الرسمية فان هذا المسار المتعلق بالاجتماعات التشاورية مع النقابات الأكثر تمثيلية و ارباب العمل استغرق إزيد من 25 شهرا ، اثيرت خلالها نقط جوهرية مثل الجهة الداعية للإضراب ، الدعوة للإضراب، الأسباب و الدوافع ، الاجال و العقوبات و غيرها.
- ردود فعل الهيئات النقابيّة الأكثر تمثيلية بخصوص مشروع القانون التنظيمي رقم 97/15
الاتحاد المغربي للشغل يرى في مشروع القانون التنظيمي للإضراب بكونه يرمي إلى “الإجهاز علىمجموعة من المكتسبات” التي راكمتها الطبقة العاملة والحركة النقابية عبر مسارها التاريخي،معتبرا أن هذا القانون “يشرعن للتطاول على أجور المضربين كعقاب لهم ولتخويفهم قصدثنيهم عن ممارسة هذا الحق الكوني والإنساني”
وعلاقة بذلك، رفض الاتحاد في مذكرة له، الشكل الذي وردت به المادة 13 في مشروع النص،معتبرا إياها أنها “تشرعن في جزء كبير منها لإمكانية تعويض عمال مضربين بعمال جدد”،مشددا على أن المادة “يجب أن تنص على منع المرفق الحكومي أو المقاولة أو المؤسسة خلالمدة سريان الإضراب، من تعويضها العمال المضربين بعمال أخرين، لا تربطهم بها أي علاقةعمل قبل تاريخ تبليغها قرار الإضراب”، وحذف كل ما تبقى من هذه المادة.
واعتبر الاتحاد كذلك، أن المادة 14 من مشروع القانون تتضمن “مسطرة جد معقدة” لتبليغقرار الإضراب، مطالبة بالاقتصار فقط على تبليغ المشغل أو من يمثله في القطاع الخاص، أورئيس الإدارة أو من يمثله في القطاع العام.
كما طالب بحذف المادة 16 برمتها من مشروع القانون، “لأنها تحمل الجهة الداعية للإضراب،مجموعة من المهام الخارجة عن مسؤولياتها واختصاصاتها”، مؤكدا على أن دور الجهة الداعيةللإضراب منحصر فقط في تأطير سلمية الإضراب،و المادة 18 من مشروع القانون، “التي تشكلذريعة سانحة بأيدي المشغل لمنع أو تكسير الإضراب”. حسب المصدر ذاته ” تنص على منعالإغلاق الكلي أو الجزئي للمقاولة أو المؤسسة خلال سريان الإضراب، والتي تتيح للمشغل وحدهاللجوء للقضاء الاستعجالي من أجل استصدار أحكام زجرية في حق النقابيين والأجراءالمضربين”.
الكونفدرالية الديموقراطية للشغل
عبر المجلس الوطني للكونفدرالية الديمقراطية، عن رفضه التام لمشروع القانون التنظيميللإضراب الذي تمت إحالته على البرلمان دون التفاوض والتوافق حوله على طاولة الحوارالاجتماعي، ويؤكد أن احترام الحريات النقابية والمصادقة على الاتفاقية الدولية الأساسية 87 وإلغاء الفصل 288 من القانون الجنائي، وضمان حق الإضراب بدل تكبيله ومحاصرته، أولوياتأساسية في أي تفاوض حول الموضوع، ويثمن مبادرة الكونفدرالية الديمقراطية للشغللتأسيس جبهة وطنية للدفاع عن حق الإضراب
كما تعتبر هذه النقابة مشروع القانون التنظيمي للإضراب “ قيد بشكل كامل ممارسة حقالإضراب وقلص مجالاته وجعله محدودا بدون تأثير، بل منع العديد من أشكال الإضراب إماصراحة أو قطعا أو بشكل ضمني، وأسس لمسطرة تعجيزية ومعقدة لقرار الإعلان عن الإضرابمما سيجعله بدون أثر”.
الاتحاد الوطني للشغل.
عبر الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب عن رفضه القاطع لمشروع القانون التنظيمي الذي يهدفإلى تحديد كيفيات وشروط وإجراءات ممارسة حق الإضراب.
واعتبرت النقابة أن هذا المشروع يمثل « تضييقًا خطيرًا » على حق العمال في الإضراب،ويفرض شروطًا تعجيزية من شأنها أن تعطل ممارسته بشكل عادي ، كما فرض شروطا تعجيزيةلممارسة حق الإضراب سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص.و اعتبر الاتحاد الوطني للشغل المشروع ، تدخلا بشكل مباشر في استقلالية قرارات النقابات وجعل المشغل متواجد بداخل مقرات النقابات من خلال إلزامية شروط وكيفية اتخاذ قرار الإضراب، واطلاعه على الأسماء المصادقة على قرار الإضراب، ووجوب حصوله على محضر الاجتماع، إلى غير ذلك من التعقيدات التي وردت في الباب الثاني.
الاتحاد العام للشغالين بالمغرب.
وفي ما يتعلق بمقترحات الاتحاد العام للشغالين، اعتبر الكاتب العام لهذه الأخيرة، أن الهدف هوملاءمة هذا القانون مع التشريعات الدولية، خاصة ما تنص عليه منظمة العمل الدولية بشأنالحق في العمل والحق في الإضراب، مضيفا أنه يتوجب أن يكون المشروع ليس فقط ذو أهميةحالية، بل أن يكون له تأثير مستقبلي في تحديد العلاقة الثنائية بين المشغل والأجير.
من خلال مجموعة من الإجراءات التي يجب مراعاتها، منها : «لا يمكن الحديث عن قانونالإضراب بمسائل زجرية تحد من الحرية النقابية، أو تفرض غرامات سجنية أو مالية، وأن يتضمنالقانون ديباجة حقيقية تشرح مفهوم الإضراب بصفة عامة، بعيداً عن الأغراض السياسية».
من جهة أخرى ترى الهيئة النقابيّة ان النقاش حول هذا المشروع يظهر حاليا تقدماً كبيراً فيمايخص التعديلات، مشيرا إلى أن هذا الأمر لا يعني فقط المركزيات النقابية من خلال الحوارالاجتماعي، بل هو أيضاً مشروع يهم الأحزاب السياسية الموجودة في البرلمان، والتي لها الحقفي التشريع، «نظراً لأن هذا نص تنظيمي بدأ في مجلس النواب ولم يبدأ في مجلسالمستشارين، فإن هذا الحق التشريعي المكفول دستورياً للبرلمان بغرفتيه، قد بدأت تمارسهالفرق البرلمانية ولها الحق في ذلك
الفيدرالية الديموقراطية للشغل.
جددت الفيدرالية رفضها لمشروع قانون الإضراب واصفة إياه بـ” المشروع التكبيلي للحق فيالحرية النقابية المكفولة بنص وروح الدستور”، داعية كل الفيدراليات والفيدراليين إلى التعبئةمن أجل التصدي لهذا المشروع الانفرادي للحكومة متجاهلة رأي المؤسسات الدستورية فيذلك.
كما أكدت الفيدرالية انخراطها في كل المبادرات الرامية إلى التعبئة وتوحيد المواقف والتصديإلى محاولة الإجهاز على الحق في الإضراب والحرية النقابية
عبرت الفيدرالية الديمقراطية للشغل عن رفضها لمحاولة تمرير القانون التنظيمي للإضراب منطرف الحكومة ورفضها للمنهجية المعتمدة في تنزيل قانون يكفل حقا دستوريا لكل المواطناتوالمواطنين. ودعا المكتب المركزي للفيدرالية الديمقراطية للشغل في بلاغ توصلت الجريدةبنسخة منه، إلى سحب كل الفصول التقييدية المتضمنة في مشروع القانون، والتي تتنافى بشكلصريح مع الحرية النقابية المكفولة بالدستور وبالاتفاقيات الدولية. وأكدت الفيدراليةالديمقراطية للشغل، على ضرورة إخراج قانون النقابات حتى يكون مدخلا لإصلاح المشهدالنقابي وتعزيز الأدوار التأطيرية للمنظمات المهنية
و يستمر الجدل …
في الوقت الذي أجرى فيه وزير التشغيل لقاءات مع باقي النقابات (خاصة تلك الخارجة من تصيف ” الأكثر تمويلية” ،أعلنت 18 هيئة نقابية وحزبية الأربعاء،تأسيس “جبهة الدفاع عنممارسة حق الإضراب”، ورفض مشروع قانون تنظيم الإضرابات الذي شرع مجلس النواببمناقشته الشهر الماضي، وذلك خلال مؤتمر صحفي عقدته في الرباط 18 نقابة وحزبومنظمات حقوقية.
ومن أبرز المشاركين نقابة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، ونقابة الاتحاد الوطني للشغل،وأحزاب الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والاشتراكي الموحد (معارضة)، والجمعيةالمغربية لحقوق الإنسان (أكبر جمعية حقوقية بالبلاد).
وقالت الهيئات في بيان مشترك خلال المؤتمر، إن مشروع قانون تنظيم الإضراب “يتضمنمقتضيات منقوصة ومقيدة لممارسة هذا الحق الدستوري، ويقصي العديد من الفئاتالاجتماعية من ممارسته، ويتضمن مقتضيات عقابية زجرية“.
وانتقدت الهيئات ما وصفته بـ”مقاربة إعداد المشروع المتسمة بتغييب المنهجية التشاركية مع الفرقاء الاجتماعيين ومع باقي القوى المجتمعية المعنية، في وقت يتعلق فيه الأمر بتشريع مجتمعي يهم كافة المواطنات والمواطنين“.
و يبقى السؤال معلقا ، الجواب عنه مرهون بما ستتمخض عنه من قرارات أشغال لجنة القطاعات الاجتماعية التي ستعقد اجتماعا بتاريخ يوم الثلاثاء 3جنبر 2024 على الساعة الثانية زوالا من اجل البث و التصويت على القانون التنظيمي لمشروع قانون رقم 97.15 بتحديد شروط و كيفيات ممارسة حق الإضراب و ذلك على اثر الدعوة التي وجهها السيد حيد نوعى رئيس اللجنة إلى كافة الأعضاء بتاريخ 29 من نونبر من السنة الجارية.

