متابعة
في زمنٍ لم تكن فيه وسائل الإعلام قد غزت كل بيت، ولم تكن التكنولوجيا قد اختصرت المسافات بين الناس، كان الحكواتي هو الصوت الذي يجمع القلوب والعقول حول حكاية تُروى، وموعظة تُلقى، ورسالة تُبث في قالبٍ من المتعة والتشويق. لم يكن مجرد راوٍ للقصص، بل كان مرآةً للمجتمع وضميره الحي، يُلامس هموم الناس، وينقل إليهم القيم والمبادئ بأسلوب بسيط وعميق.
ومن بين القضايا التي طالما شغلت ضمير الحكواتي، قضية الماء، باعتباره مصدراً للحياة وثروةً مهددة بالزوال إن أُسيء استخدامُها. فقد استطاع، من خلال قصصه الرمزية والأمثال الشعبية، أن يُحسّس الناس بأهمية الحفاظ على هذه النعمة، ويزرع فيهم وعياً بيئياً أصبح اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى
في هذا الإطار شارك حكواتيون مغاربة، اليوم الاثنين بحديقة “نزهة حسان” في الرباط، في سرد حكايات مشوقة تروم إذكاء وعي الجمهور بأهمية حماية الموارد المائية والحفاظ عليها، وذلك في إطار الدورة الـ22 من المهرجان الدولي “مغرب الحكايات”.
وتنظم هذه الدورة، التي تقام تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، بمبادرة من الأكاديمية الدولية للتراث الثقافي اللامادي.
وقدم الحكواتيون المغاربة عرضا متميزا، وسط مجموعة من “الكرابة” (بائعي الماء المتجولين)، مزجوا فيه بين مخيال الحكاية والواقع لتنبيه الجمهور إلى ضرورة ترشيد استعمال الماء، وإلى المخاطر والتحديات المرتبطة بالجفاف.
وأوضحت مديرة المهرجان، نجيمة طاي طاي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن اختيار موضوع “حكايتك ماء، ارويها ترويك” مستلهم من الخطب الملكية السامية التي شدد فيها جلالة الملك على ضرورة حماية الموارد المائية والحفاظ عليها.
وأضافت أن هذه الدورة تهدف إلى إذكاء وعي الجمهور بإشكالية الإجهاد المائي، والتعريف بالممارسات التقليدية المغربية في التدبير الرشيد للماء، مشيرة إلى أن المهرجان يحرص أيضا على تكريم شخصية “الكراب المغربي” وتوحيد الجهود لتفادي اندثار هذه المهنة.
وفي معرض حديثه عن أهمية هذا الحدث الثقافي، شدد عبد الرحيم المقوري، الملقب بـ “الأزلية”، على ضرورة إعداد جيل جديد من الحكواتيين القادرين على مواصلة حمل مشعل هذا الفن بإتقان واحتراف.
وأضاف “حرصنا على تلقين الشباب جميع قواعد سرد الحكايات الشعبية المغربية، التي تمت ترجمتها لاحقا إلى الإسبانية والفرنسية والإنجليزية”، مشيرا إلى أن هذا المهرجان ساهم في التعريف بهذا الفن خارج حدود المملكة.
ويتضمن برنامج الدورة الحالية، التي تتواصل فعالياتها إلى غاية 13 يوليوز الجاري، لقاءات حكي كبرى بمشاركة رواة من المغرب وخارجه، ومائدة مستديرة دولية حول موضوع “الماء في المتخيل الإنساني العالمي”، وماستر كلاس احترافيا في فن الحكاية، لتأهيل جيل جديد من الرواة وتزويدهم بأدوات تعبير حديثة تربط بين الإبداع والرهانات البيئية المعاصرة
و م ع

