نيويورك/ عبد الكريم مومن
لطالما كان النفط، الذي يُعرف اليوم بالذهب الأسود، جزءًا من تاريخ الحضارات القديمة، ولم يكن العرب بمنأى عن ذلك. على الرغم من أن استخراجه تجاريًا لم يتم إلا في العصر الحديث، إلا أن الأدلة التاريخية والحفريات تشير إلى استخدامات مبكرة له، مما يلقي الضوء على علاقة قديمة ومختلفة تمامًا مع هذا المورد الثمين.
أدلة من كتب التاريخ والروايات
تذكر العديد من الكتب والمصادر التاريخية العربية القديمة استخدامات النفط في مختلف المجالات، وتطلق عليه مسميات متعددة مثل القار والزفت والنفط.
لسان العرب لابن منظور: يعد هذا المعجم اللغوي مرجعًا أساسيًا، حيث يذكر أن النفط الذي تُطلى به الإبل للجَرب والدبَر والقِردانِ وهو دون الكُحيل. هذا يشير إلى استخدامه لأغراض طبية وعلاجية للحيوانات.
الشعر العربي القديم: لم يغب النفط عن الأدب العربي، فقد ورد ذكره في الشعر كرمز للون الأسود الداكن. ومن الأمثلة على ذلك، المثل الشهير الذي ذكره ابن رشد في ( شرح البرهان) : وكذلك حمل البياض على الثلج، والسواد على القار، كناية عن الاستحالة. كما يذكر لسان العرب مثل “لا أَفعله حتى تَبْيضَّ جُونةُ القار، أي لا أفعله أبدًا، لأن القار لا يبيض.
الروايات التاريخية: استُخدم النفط في المعارك. تُشير بعض الروايات إلى استخدام القار كمادة مشتعلة لإحداث نيران في أوانٍ تسمى النفّاطات، وهي أسلحة حربية تُقذف على الأعداء، وهو ما يعكس استغلاله لأغراض عسكرية.
أدلة من الحفريات والبقايا الأثرية
تؤكد الحفريات الأثرية في المنطقة العربية وبلاد ما بين النهرين (العراق حاليًا) أن القار كان يُستخدم على نطاق واسع في البناء.
بابل وبلاد الرافدين: عُثر على بقايا أثرية لجدران في مدينة بابل القديمة، كانت مغطاة بطبقات من القار، مما يؤكد استخدامه كمادة عازلة للمياه وحماية المنشآت.
آثار في العراق: كما توجد أدلة على استخدام القار في قوارب صغيرة لختمها وجعلها مقاومة للماء، وهو ما يعكس فهمًا مبكرًا لخصائصه الفيزيائية.
الأسماء الجغرافية: ما زالت بعض الأماكن في المنطقة تحتفظ باسم القار، مثل مدينة القيارة القريبة من الموصل في العراق، وبنيد القار في الكويت، وذلك بسبب وجود تسربات طبيعية للنفط في تلك المناطق، مما يؤكد ارتباط المكان بالمادة.
أصول التسميات: القار، الزفت، والغاز
1- القار:
الكلمة عربية الأصل، وهي مشتقة من فعل قَارَ بمعنى جمع. ويقال قَارَ الماء أي جمعه في وعاء. وسمي القار بهذا الاسم لأنه كان يخرج من الأرض بشكل متجمع. كما ذكرت بعض المصادر أنه اسم أطلق على النوع السائل منه، بينما كان الزفت هو النوع الأكثر لزوجة وصلابة.
2- الزفت:
تعد كلمة (زفت) ذات أصل عربي أيضًا، وتعني اللصق والطلاء. يُقال (زَفَتَ الإناءَ) أي طلاه بالزفت. وفي الفقه، وردت كلمة المُزَفَّت للإشارة إلى الأواني المطلية بالزفت أو القار، كما جاء في شرح صحيح مسلم للنووي، مما يدل على استخدامها في الحياة اليومية.
3- الغاز:
أما كلمة الغاز، فلم تكن معروفة بمعناها الحالي عند العرب القدماء. يُعرف الغاز اليوم بأنه حالة المادة المشتتة، وتأتي هذه الكلمة من الكلمة الهولندية GAS التي صاغها الكيميائي الفلمنكي جان بابتست فان هيلمونت في القرن السابع عشر.
أما ما يمكن أن يشير إلى الحالة الغازية أو البخارية في المصادر العربية القديمة، فكان يُشار إليها بـالبخار أو الدخان أو الريح دون أن تكون لها صلة مباشرة بالنفط كما نعرفها اليوم. يُذكر أن الصينيين القدماء استخدموا الغاز الطبيعي قبل 900 سنة قبل الميلاد عبر أنابيب من شجر البامبو، لكن هذا لم يكن معروفًا في الحضارة العربية القديمة.
لقد أظهرت الحضارة العربية القديمة فهما عمليا للنفط الخام ومشتقاته الطبيعية، واستفادت منها في حياتها اليومية والعسكرية والبناء. وعلى الرغم من أنهم لم يصلوا إلى تقنيات الاستخراج والتكرير الحديثة، إلا أن أدلتهم اللغوية والأثرية تروي قصة علاقة عميقة مع هذا المورد، الذي كان بالنسبة لهم مادة خام متعددة الاستخدامات، قبل أن يصبح الذهب الأسود الذي يغير موازين القوى في العالم.

