أحمد أكلكيم .
في مشهد دبلوماسي لافت، استقبل الرئيس الأمريكي وليَّ العهد السعودي محمد بن سلمان في حفل رسمي كبير بالبيت الأبيض، في زيارة وُصفت بأنّها من أهم محطات إعادة ترتيب العلاقات الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن. الزيارة لم تكن بروتوكولية فحسب، بل جاءت محمَّلة بمباحثات معمّقة شملت ملفات الدفاع والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة، وانتهت بإعلان أمريكي أثار اهتمام المراقبين: تصنيف المملكة العربية السعودية “حليفًا رئيسيًا من خارج حلف الناتو”.
هذا القرار، الذي يحمل أبعادًا سياسية وأمنية واقتصادية واسعة، فتح الباب أمام أسئلة كبرى حول طبيعة التحالف بين البلدين، وحجم المكاسب والمخاطر، ودلالة هذا الرفع في مستوى الشراكة. وفي قلب هذه الأسئلة يبرز سؤال محوري يقود إلى صلب النقاش:
ماذا يعني أن تُصنَّف السعودية “حليفًا رئيسيًا خارج الناتو”؟
هذا السؤال يشكل المدخل لفهم التحول الجديد في العلاقات السعودية–الأمريكية، وما إذا كانت الشراكة ستتجاوز الطابع التقليدي إلى مستوى إستراتيجي عميق يربط البلدين في ملفات الدفاع والاستثمار والجغرافيا السياسية للشرق الأوسط
1. معنى تصنيف “حليف رئيسي خارج الناتو” (MNNA)
” الحليف الرئيسي من خارج الناتو” (Major Non-NATO Ally أو MNNA) هو تصنيف تمنحه الولايات المتحدة لبعض الدول التي ليست ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لكنه يمنحها مزايا أمنية وعسكرية مميزة. هذه المزايا تشمل تسهيل تبادل التكنولوجيا العسكرية، إمكانية الشراكة في أبحاث وتطوير الأسلحة والذخائر، كذلك تسهيل شراء أسلحة أميركية متقدمة، أو حتى الحصول على نوع من القروض أو الإعانات للدفاع.
لكن ، هناك أمر مهم جدًا و هو أن هذا التصنيف لا يمنح التزامات دفاعية تلقائية مثل البنود الموجودة في اتفاقات الناتو (أي لا يعني أن الولايات المتحدة ملزمة تلقائيًا بالدفاع عن الدولة في حال هجوم).
غير ان هذا التصنيف له دلالات خاصة من الناحية الرمزية، فهو رسالة سياسية قوية تعكس عمق الشراكة والاحترام المتبادل، ويدل على أن واشنطن ترى السعودية شريكًا مهمًا للاستقرار الإقليمي.
2. ما هي الدول الأخرى التي لها هذا التصنيف؟
تشير بعض المصادر إلى ان هناك حوالي 16 دولة سبق لها و أن مُنحت هذا التصنيف من قبل الولايات المتحدة من بينها دول عربية شرق أوسطية مثل البحرين، الكويت، مصر، الأرد، قطر، تونس …إلى جانب دول أخرى كالأرجنتين، أستراليا، البرازيل، كولومبيا، إسرائيل، اليابان، كينيا، نيوزيلندا، باكستان، الفلبين، كوريا الجنوبية، تايلاند.
3. هل المبلغ الضخم (مثل 600 مليار أو وعود استثمارية) وراء هذا التصنيف؟
مما لاشك فيه، الاستثمار السعودي في الولايات المتحدة يبرز كعامل مهم جدًا في هذا الموقف. وفقًا للبيانات، هناك وعود باستثمارات سعودية ضخمة في أمريكا حيث تم توقيع العديد من الاتفاقيات، مثل التوقيع على “اتفاقية دفاع استراتيجية” بين الولايات المتحدة والسعودية، والتي تُعزز التعاون العسكري، وتسهّل عمل الشركات الدفاعية الأميركية في السعودية، إلى جانب صفقات تسليح كبيرة — مثلا طائرات F-35 حيث تقدمت السعودية بطلب شراء 48 طائرة من هذا النوع ، وهو تحول كبير.
لذلك، يبدو أن الاستثمار والركيزة الاقتصادية مهم جدًا في المقاربة: ليس فقط دعم أمني، لكن شراكة اقتصادية عميقة تُبرّر الرغبة في الحفاظ على علاقة مميزة ومؤطرة رسميًا.
4. هل سيلتزم الرئيس الأمريكي بهذه الاتفاقيات؟ وما مصير الاستثمارات السعودية في أمريكا؟
بخصوص الالتزام الرئاسي و بما أن التصنيف “MNNA” لا يربط الولايات المتحدة بمعاهدة دفاعية ملزمة مثل الناتو، فإن التزامات واشنطن تعتمد بدرجة كبيرة على الإرادة السياسية والإدارة الحاكمة. تغيّر الرئيس أو السياسة الأمريكية يمكن أن يغير من نغمة العلاقة، لكن وجود هذا التصنيف يشكل قاعدة مؤسّسة قوية لتعاون أكبر.
أما فيما يخص مصير الاستثمارات السعودية فإنه من مصلحة الطرفين أن تُحافظ الشراكة الاستثمارية؛ فالسعودية تملك حافزًا كبيرًا لاستثمار أموالها في الولايات المتحدة، وأمريكا تستفيد من هذه الاستثمارات. لكن مثل أي استثمار ضخم، هناك مخاطر — سواء من تغيّرات سياسية، ما قد يؤثر على الاتفاقات المستقبلية أو أولويات الاستثمار.
من جهة أخرى، الاتفاق الدفاعي وتبادل التكنولوجيا يعزز الثقة: إذا تم تسهيل صادرات الأسلحة والتكنولوجيا، فهذا قد يشجّع مزيدًا من الاستثمارات المتبادلة.
5. ما هي المخاطر والتداعيات؟
غير أن مثل هذا القرار لا يخلو من مخاطر منها ما هو سياسي سياسية بحيث ان تصنيفا كهذا قد يثير انتقادات من دول أخرى (إقليميًا ودوليًا)، خاصة أنهم قد يرونه تعميقًا لهيمنة نفوذ أمريكي في منطقة استراتيجية.
هناك ايضًا جانب التوازن العسكري ، فبيع أسلحة متقدمة (مثل F-35) للمملكة يمكن أن يغير بعض التوازنات الإقليمية، وقد يثير قلق بعض الدول، خصوصًا عندما تكون هناك علاقات تاريخية أو حساسة (مثل إسرائيل).
جوانب أخرى تظهر من خلالها بعض المخاطر ، هذه الشراكة الكبيرة قد تجعل السعودية أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا الأميركية، وكذلك أمريكا قد تراهن على الاستثمارات السعودية، ما يخلق تداخلًا كبيرًا في المصالح.
و اخيرا ، قد تظهر مخاطر مرتبطة بالتقلبات الداخلية في الولايات المتحدة حيث ان أي تغيير في القيادة أو السياسة الأمريكية (مثلاً عبر انتخابات) قد يعيد النظر في هذه الشراكة أو بعض بنودها.
6. الخلاصة
تصنيف السعودية كـ “حليف رئيسي خارج الناتو” هو خطوة استراتيجية مهمة من الولايات المتحدة لتعميق الشراكة الأمنية والعسكرية مع الرياض، مع مزايا ملموسة في التعاون الدفاعي دون الالتزام بمعاهدة دفاعية كاملة مثل حلف الناتو. هذا التصنيف يعكس أيضًا عمقًا اقتصاديًا، خاصة مع وعود استثمارات سعودية ضخمة في الولايات المتحدة، وصفقات تسليح كبيرة مثل طائرات F-35. لكنه ليس ضمانًا مطلقًا للدفاع المتبادل، ويظل عرضة لتقلبات السياسة الأمريكية، وله تبعات استراتيجية في المنطقة من حيث التوازن الأمني

