كتب احمد اكلكيم
يشهد السوق المغربي تحولًا نوعيًا مع دخول السيارات الصينية بقوة إلى المشهد، في خطوة تعكس تطور العلاقات الاقتصادية بين المغرب و الصين. هذه الخطوة تأتي في سياق الشراكة الاستراتيجية التي تجمع البلدين منذ توقيع اتفاقية “الحزام والطريق” عام 2017، والتي تهدف إلى تعزيز التعاون في مجالات متعددة مثل البنية التحتية، الصناعة، والطاقة.
دخول السيارات الصينية إلى المغرب ليس مجرد محاولة للتوسع التجاري، بل هو جزء من رؤية أوسع تستهدف جعل المغرب بوابة استراتيجية نحو الأسواق الإفريقية وأوروبا. فبفضل موقعه الجغرافي المتميز واستثماراته الكبيرة في البنية التحتية، يمثل المغرب نقطة جذب رئيسية للشركات الصينية الطامحة إلى تعزيز حضورها العالمي.
ومع تزايد الطلب على السيارات الكهربائية والهجينة في السوق المغربية، تبرز السيارات الصينية كخيار تنافسي بأسعار مناسبة وتقنيات متطورة. فهل سيشكل هذا الوجود الصيني في قطاع السيارات بداية لتغيير قواعد اللعبة في السوق المغربي؟ وكيف ستستفيد الرباط من هذه الشراكة لتعزيز مكانتها كقاعدة إنتاجية إقليمية؟
بلغ إجمالي الاستثمارات الصينية المُعلنة بصناعة السيارات في المغرب هذا العام نحو 9.5 مليار دولار، بما يؤشر إلى اهتمام صيني كبير بالمملكة رغم البعد الجغرافي. وراء ذلك عوامل تتراوح بين تطور العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وبحث شركات بكين عن مخارج لتجاوز التضييق الأميركي، وعزم أكبر اقتصاد في آسيا على تعزيز حضوره في القارة الأفريقية.
يتجه المغرب لتعزيز مكانته في مجال صناعة السيارات بصورة عامة، وتمنحه الشراكة الاقتصادية مع الصين فرصة لإطلاق تجربة جديدة في مجال صناعة السيارات الكهربائية، إذ شرعت بكين خلال الأعوام الأخيرة بتوقيع اتفاقات إنشاء مصانع لإنتاج بطاريات ذلك النوع من السيارات، فيما تعهدت شركات صينية باستثمار نحو 10 مليارات دولار في ذلك المجال، وتم في يونيو الماضي توقيع المغرب اتفاق مع المجموعة الصينية – الأوروبية “غوشن هاي تك” بقيمة إجمالية تبلغ 6.5 مليار دولار، بهدف إنشاء أول مصنع لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية بالمغرب، وهو الأول من نوعه بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ويوجد المغرب ضمن لائحة الدول الـ12 المصنعة لمادة الكوبالت، التي تعد أهم عنصر في صناعة تلك البطاريات، وأنتج من تلك المادة نحو 2300 طن خلال عام 2022، في حين بلغ حجم الإنتاج العالمي من تلك المادة في العام نفسه 190 ألف طن، وعلى رغم أن المملكة لا تضم سوى نحو واحد في المئة من الاحتياط العالمي من مادة الكوبالت، فإن مخزونه يتسم بالجودة العالية، إذ تصل نسبة صفائه إلى 99.98 في المئة، وهو ما أهله للتصدير لأكبر الأسواق العالمية، سواء منها الأميركية والأوروبية والآسيوية.
تُعدُّ الصين أحد أكبر الشركاء التجاريين للمملكة، حيث بلغ حجم التجارة بين البلدين عام 2022 حوالي 77.3 مليار درهم (7.5 مليار دولار)، بزيادة 18% على أساس سنوي. لكن الميزان التجاري يميل بشكل كبير لصالح بكين، إذ ناهزت واردات الرباط 74 مليار درهم، فيما الصادرات لا تتجاوز 3.3 مليار درهم، بحسب مُعطيات من مكتب الصرف المغربي.
يمكن للمغرب أن يستفيد من شراكته مع الصين في قطاع السيارات لتعزيز مكانته كقاعدة إنتاجية إقليمية من خلال مجموعة من المزايا الاستراتيجية من بينها نقل التكنولوجيا والخبرة الصناعية حيث تتمتع الصين بتقدم كبير في تكنولوجيا تصنيع السيارات، وخاصة السيارات الكهربائية والهجينة. من خلال التعاون مع الشركات الصينية، يمكن للمغرب الاستفادة من نقل التكنولوجيا وتطوير قدراته الإنتاجية في هذا المجال، مما يجعله رائدًا في إنتاج المركبات الصديقة للبيئة في المنطقة.
كما يمكن ان تتم تلك الاستفادة من خلال . تعزيز المغرب لبنيته التحتية الصناعية بجلب استمارات للشركات الصينية لإنشاء مصانع ومجمعات صناعية متقدمة في المغرب، كما حدث مع قطاعات أخرى مثل الفوسفات والطاقة. هذه الاستثمارات ستساهم في تحسين البنية التحتية الصناعية وتوفير فرص عمل محلية، مما يعزز تنافسية المغرب كوجهة صناعية.
ويعتبر المغرب بفضل موقعه الجغرافي جسرًا بين أوروبا وإفريقيا الأمر الذي يجعل منه مركزًا إقليميًا لإنتاج وتصدير السيارات الصينية نحو القارتين، مستفيدًا من اتفاقيات التجارة الحرة التي تربطه بدول مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
من جهة أخرى فان دخول الشركات الصينية السوق المغربي سيحفز البحث والتطوير في قطاع السيارات بالمغرب. كما يمكن أن تشكل هذه الشراكة فرصة لتدريب الكفاءات المحلية وإعدادها للعمل في صناعات متقدمة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة.
وومع تزايد الاهتمام العالمي بالاقتصاد الأخضر، يمكن أن تساعد الصين المغرب في بناء قدراته الإنتاجية للسيارات الكهربائية والبنية التحتية الخاصة بها، مثل محطات الشحن. هذا سيساهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتعزيز مكانة المغرب كدولة مستدامة وصديقة للبيئة.
من خلال هذه المزايا، ستعزز الشراكة بين المغرب والصين قدرات المملكة الإنتاجية وتجعلها فاعلًا محوريًا في سلسلة القيمة العالمية لصناعة السيارات.

