نيويورك / عبد الكريم مومن
في زمن كان فيه الخبر مقدسًا والتحليل عميقًا، كانت لوموند الفرنسية منارةً للصحافة الرصينة. كانت كلماتها تزن ذهبًا، ومقالاتها تُشكل رأيًا عامًا لا يُستهان به. لكن يبدو أن هذه السيدة العجوز، التي طالما ارتدت ثوب الحكمة، قد قررت اليوم أن تخلعه وتستبدله بعباءة العرافين.
فبعد أن كانت تهتم ببناء الأوطان، وتُحلل المشاريع الكبرى، وتُسلط الضوء على الإنجازات التي تُغير وجه البلدان، صارت تبحث في الفنجان. فقد تجاهلت الصحيفة عمدًا نجاحات ومشاريع ضخمة مثل ميناء طنجة المتوسط، والقطار فائق السرعة، ومحطات الطاقة الشمسية، والتي تُعد إنجازات حقيقية تستحق التقدير والدراسة. وبدلًا من ذلك، ركزت على موضوع صحة الملك، في مقال لم يضف جديدًا، ولم يُحلل، بل كان أقرب إلى الهمس وإثارة الجدل.
هذا التحول يكشف عن أزمة عميقة تعصف بالصحافة الورقية التقليدية. في عالم يركض وراء الترند والبوز، وربما قد تخلع ثيابها يوما ما لتصور روتيني بالمطبخ، وجدت لوموند نفسها في سباق لا تُتقنه. فبدلًا من أن تُقدم قيمة حقيقية، لجأت إلى الإثارة والبحث عن (الطالع ) في محاولة يائسة لجذب القراء. لقد صارت مثل المبتدئين الذين يُلاحقون أخبار المشاهير، متخلية عن دورها الأصيل في توجيه الرأي العام وتثقيفه.
إن ما قامت به لوموند ليس مجرد خطأ مهني، بل هو إشارة واضحة على أن الصحافة العريقة باتت تحتضر. لم تعد مصدرًا للمعلومة، بل صارت وسيلة لإثارة الفضول. لقد فقدت هيبتها، ولم يعد لديها ما تقدمه سوى قراءة الفنجان لعله يُخبرها أين ذهب قراؤها، لا تنسي يا روتيني لومند أن النظام الملكي بالمغرب يعود لأكثر من ألف سنة وهو محصن من الأرض ومن السماء.

