كتب/ أحمد أكلكيم
مقاربة سوسيو إعلامية لأزمة المهنة في العصر الرقمي
تشهد الصحافة المغربية تحولات جذرية تطال أسسها التقليدية وآليات عملها، في ظل بيئة إعلامية متقلبة تسيطر عليها المنصات الرقمية. ما كان يُعتبر “مهنة المتاعب” أصبح اليوم مهنة في غرفة الإنعاش، حيث تتداخل العوامل التكنولوجية والاقتصادية والسياسية لتُفاقم أزمات الصحفيين، وتُضيّق خياراتهم بين بقايا صحافة ورقية تحتضر، وإلكترونية تكافح للبقاء في سباق غير متكافئ مع “الإعلام الاجتماعي”.
1. الموت الإكلينيكي للصحافة الورقية: نهاية حقبة
لم يعد اختفاء الصحف المطبوعة مجرد تنبؤ، بل واقعًا تُرسم معالمه يوميًا في المشهد الاعلامي المغربي . الأسباب متشابكة منها التحول الرقمي الذي عجل بتراجع الإقبال على النسخ الورقية لصالح الأخبار الفورية عبر الهوء , اضف الى ذلك الأزمات المالية المتمثلة في ارتفاع تكاليف الطباعة والتوزيع مقابل انخفاض الإعلانات، التي هاجرت إلى المنصات الرقمية.ناهيك عن القبضة السياسية التي حولتىالصحف الورقية إلى منابر للنخب الحاكمة و الاحزاب السياسية أو أدوات دعائية، مما أفقدها المصداقية .
لكن “الموت” هنا لا يعني الاختفاء الكامل، بل تحوُّلها إلى كيانات هامشية، تُقتصر على جمهور محدود أو دوائر رسمية، بينما تُدفن أحلام جيل من الصحفيين الذين تربوا على رفاهية التحقيق المطول والتأمل النقدي.
2. الصحافة الإلكترونية: معركة البقاء في زمن “السوشيال”
مع انحسار الورقي، انتعشت الآمال في الصحافة الإلكترونية، لكنها سرعان ما اصطدمت بتحديات وجودية:
- المنافسة مع السوشيال ميديا: لم تعد المواقع الإخبارية المصدر الأول للمعلومة، بل صارت منصات مثل “تويتر” و”فيسبوك” و”تيك توك” تسبقها في نشر الأخبار، حتى دون تحقق. الصحافة الإلكترونية تُجبَر على “الهرولة” وراء الترندات، مما يفقدها عمقها التحريري.
- اقتصاد الانتباه: باتت العناين “الخلّابة” والصور الصادمة أدوات ضرورية لجذب الزوار، على حساب التحليل والتدقيق. الأزمة هنا سوسيوثقافية: الجمهور المغربي – خاصة الشباب – يُفضل المعلومة السريعة والمجانية، حتى لو كانت سطحي
- الرقابة الذاتية والمباشرة: في غياب ضمانات الحريات، تتحول العديد من المواقع إلى نسخ رقمية من الصحف الحكومية، أو تُغلق كما حدث مع عشرات المنصات المستقلة في مصر وتونس والجزائر.
3. الصحفي المغربي محاصر بين المطرقة والسندان
في هذا المشهد، يجد الصحفي نفسه أمام خيارات احلاها مر:
* الهجرة إلى العلاقات العامة: كثيرون يتركون المهنة ليعملوا في “البروباغندا” المؤسساتية أو الحكومية، حيث الأمان الوظيفي مقابل الصمت.-
* الاستسلام للرقميات: البعض يتحوّل إلى “صانع محتوى” يلهث وراء الإعجابات، مُضحّيًا بمعايير المهنة.
* المقاومة الهامشية: قلّة يتمسكون بالدور التقليدي للصحافة، لكنهم يعملون في ظل تهديدات متعددة، من الملاحقة الأمنية إلى التهميش الاقتصادي.
خاتمة: هل من أفق؟
الأزمة ليست تقنية بحتة، بل هي انعكاس لتحولات مجتمعية أوسع:
* ضرورة إعادة تعريف دور الصحافة: هل هي سلطة رابعة أم مجرد “مزوّد خدمة” في سوق المعلومات؟
* الحاجة إلى نماذج تمويل جديدة: كالاشتراكات أو الصحافة التشاركية، مع ضمان استقلاليتها.
* تأهيل الجمهور: لا يمكن فصل أزمة الصحافة عن أزمة التلقي في مجتمع يعاني من الأمية الإعلامية.
ربما تكون الصحافة المغربية أمام مفترق طرق: إما أن تنجح في توظيف التكنولوجيا لصناعة نموذج هجين يجمع بين السرعة والعمق، أو تتحول إلى ذاكرة باهتة لحقبة مضت. السؤال الأصعب: من سينقذها – إن أمكن النجاة – في ظل مشهد لا يؤمن أصلاً بحق المواطن في معرفة الحقيقة؟

