نيويورك / عبد الكريم مومن
هل يمكن تقبل الإدماج الجزئي أو الكلي للكينوا بالطاولة المغربية كطعام أساسي؟
هل الطعم والتكلفة والتأثير الصحي يعتبر تحدي يمكن تجاوزه؟
هل الفلاح والمصنع والمستهلك عنده قابلية لإدخال هذا المنتج في قائمته اليومية؟
ذلك ما سنحاول طرحه للمساهمة بالنقاش.
في ظل التحديات المتزايدة لتغير المناخ وندرة المياه، يبرز المغرب كنموذج رائد في البحث عن بدائل زراعية مستدامة. على رأس هذه البدائل، تقف الكينوا، النبتة المعجزة التي تعد بقلب الموازين الزراعية والغذائية في المملكة. فبين آمال زيادة الإنتاج، تحديات التكيف مع التكلفة والطعم، وجهود التوعية، ترسم الكينوا ملامح مستقبل غذائي أكثر مرونة.
الكينوا: حل لمواجهة تغير المناخ وزيادة الإنتاج
يواجه المغرب سنوات متتالية من الجفاف وشح الأمطار، مما يدفع بالبلاد نحو تبني استراتيجيات زراعية جديدة تتماشى مع هذه الظروف القاسية. هنا، تبرز الكينوا كحل استراتيجي بفضل قدرتها الفائقة على التكيف مع الجفاف والملوحة ودرجات الحرارة المرتفعة، مما يجعلها محصولًا مثاليًا للمناطق القاحلة وشبه القاحلة في المملكة. التجارب الحالية في مناطق مثل الرحامنة وسوس ماسة تظهر نتائج واعدة، حيث تُحقق الكينوا مردودية إنتاجية تنافس بل وتتجاوز الحبوب التقليدية في هذه الظروف الصعبة. هذه المرونة لا تساهم فقط في زيادة الإنتاج الزراعي في الأراضي الهامشية، بل تدعم أيضًا الأمن الغذائي للمغرب في مواجهة التغيرات المناخية.
التحدي المالي: دعم الدولة كجسر لتقبل التكلفة
رغم المزايا البيئية والغذائية للكينوا، يبقى التحدي المالي قائماً، فتكلفة إنتاجها قد تكون أعلى من الحبوب التقليدية في الوقت الراهن، مما ينعكس على سعرها النهائي للمستهلك. لمواجهة هذا التحدي، يُقترح أن تتدخل الدولة ببرنامج دعم مالي يمتد لعشر سنوات متتالية. هذا الدعم التدريجي، الذي يتناقص مع مرور الوقت، يهدف إلى خفض التكلفة على المزارعين والمستهلكين على حد سواء. الهدف هو تمكين الكينوا من إيجاد مكانتها في السوق دون إرهاق كاهل المواطن، ومع زيادة حجم الإنتاج، ستنخفض التكاليف بطبيعة الحال، ليصبح السعر في متناول الجميع.
تحدي الطعم والتقبل الاجتماعي: التلاعب بالدماغ الإيجابي
تُعد العادات الغذائية متجذرة بعمق في الثقافة المغربية، والخبز تحديدًا يمتلك مكانة خاصة. لذا، فإن إدخال الكينوا، التي تتمتع بطعم وقوام مختلفين، يواجه تحدي التقبل الاجتماعي. لمعالجة هذا الجانب الحساس، يُقترح اتباع استراتيجية التدرج في الإدماج، ببدء إضافة نسبة قليلة من الكينوا إلى الخبز (مثل 10% في السنة الأولى، ثم 15%، وهكذا كل سنة تزيد نسبة الإدماج 5%)، وهو ما يُوصف بـالتلاعب بالدماغ الإيجابي، الذي يسمح للمستهلكين بالتأقلم التدريجي مع الطعم الجديد دون تغيير مفاجئ.
لمواكبة هذا التدرج، يجب أن تقوم الدولة بإنشاء فصول تدريبية متخصصة داخل مراكز التكوين المهني والفلاحي. هذه الفصول ستُدرب:
الطهاة: على إعداد وصفات متنوعة وشهية بالكينوا، تتجاوز الخبز لتشمل أطباقًا أخرى تُناسب الذوق المغربي.
تقنيي المطاحن: على كيفية معالجة الكينوا بشكل صحيح (لإزالة أي مرارة محتملة بسبب مادة الصابونين) وكيفية مزجها بدقة مع أنواع الدقيق الأخرى لضمان أفضل مذاق وقوام للخبز.
التوعية الشاملة: الكينوا كجزء من أسلوب حياة صحي
النجاح الحقيقي لإدماج الكينوا يكمن في بناء وعي مجتمعي بأهميتها. لهذا، يُقترح إطلاق حملة توعية شاملة تستهدف كافة شرائح المجتمع:
المدارس والثانويات ومراكز التكوين: تخصيص فقرات يومية قصيرة تتناول فوائد الكينوا الصحية، مثل غناها بالبروتين، الألياف التي تدعم صحة الأمعاء، المعادن والفيتامينات، وكونها خالية من الغلوتين. يمكن أن تُقدم هذه المعلومات بطرق مبسطة وجذابة للشباب.
المهنيون الصحيون: تشجيع الأطباء وأخصائيي التغذية على وصف الكينوا لمرضاهم في الفحوصات الروتينية، خاصة للمصابين بأمراض مثل السكري أو مشاكل الجهاز الهضمي، كجزء من نظام غذائي صحي ومتوازن.
الإعلام والإشهار: يجب أن يتولى الإعلام الرسمي دوراً محورياً في هذا الجهد، من خلال تخصيص فقرات يومية في التلفزيون والإذاعة والمنصات الرقمية تتحدث عن فوائد الكينوا، وتقدم وصفات سهلة، وتستضيف خبراء. كما يجب تفعيل سياسة الإشهار المدعم والتجاري، حيث تشجع الدولة الشركات على الترويج لمنتجات الكينوا بطرق جذابة ومبتكرة، مع التركيز على الجودة والمنتج المحلي.
إن رحلة الكينوا في المغرب ليست مجرد مشروع زراعي، بل هي رؤية استراتيجية متكاملة تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي، مواجهة التحديات المناخية، وتحسين الصحة العامة للمواطنين. بتضافر الجهود بين الدولة، المزارعين، الصناعيين، والقطاع الصحي والإعلامي، يمكن للكينوا أن تصبح ركيزة أساسية في المائدة المغربية، وقصة نجاح تُروى في التكيف والمرونة.

