لا تُختزل مهنة المخرج السينمائي في إتقان الأدوات التقنية أو الإلمام بجوانب التصوير والإخراج فقط، بل تتعدى ذلك لتُصبح مزيجًا متكاملًا من الموهبة الفطرية والاستعداد الذهني العميق. المخرج هو العقل المدبر الذي يُحوّل النصوص إلى مشاهد نابضة بالحياة، ويخلق عوالم سينمائية تسكن في ذاكرة الجمهور لسنوات.
الإخراج ليس مجرد توجيه الكاميرات أو ضبط الإضاءة، بل هو عملية إبداعية تتطلب رؤية فنية ثاقبة، وقدرة على قراءة النصوص وتفسيرها بعمق. إنها مهنة تتطلب حساسية فنية خاصة لفهم الشخصيات، وتوظيف التفاصيل الصغيرة لخلق تأثيرات عاطفية قوية، إلى جانب مرونة عقلية لاستيعاب متغيرات العمل وتحدياته.
في هذا السياق، يُمكن القول إن المخرج الناجح ليس فقط تقنيًا بارعًا، بل هو أيضًا فنانٌ يمتلك الشغف والقدرة على سرد القصص بلغة بصرية تُلامس القلوب والعقول، مما يجعل الإخراج السينمائي واحدًا من أكثر المجالات التي تجمع بين الإبداع والتقنية في آنٍ واحد.
هذا ما أكده المخرج الإيطالي ورئيس لجنة تحكيم الدورة الحادية والعشرين للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، لوكا جوادانينو، من أن مهنة المخرج السينمائي ليست مجرد مسألة تقنية، وإنما أفقا سبيله الموهبة والاستعداد الذهني.
وقال جوادانينو في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء إن “في المسار المهني للمخرج السينمائي، نصنع الأفلام، ولكننا نشارك أيضا في تجارب مثل المشاركة في لجان التحكيم. إنها طريقة بالنسبة لنا نحن المخرجين للتعبير عن أنفسنا بطريقة مختلفة”.
وأضاف أنه “لا يجب أن يفكر في مسار مهني دولي، بل في صناعة فيلم يكون قريبا من القلب”، منبها إلى الاتجاه السائد في الآونة الأخيرة حيث ينظر إلى مهنة الإخراج السينمائي أحيانا على أنها “موضة”، مما قد يضر بفكرة السينما باعتبارها مهنة حقيقية.
وأشار إلى أن الأفلام تصنع لتعرض في دور السينما، حيث تكون التجربة جماعية وغامرة، مؤكدا أن كل فيلم بالنسبة له هو انغماس في المجهول، ولكنه قبل كل شيء فرصة لتعميق فهمه.
كما أعرب المخرج الإيطالي، وهو من أم جزائرية عاشت في المغرب، عن رغبته في إخراج أفلام السير الذاتية. وقال “تحدوني هذه الرغبة الملحة في استكشاف جذوري. وإذا حدث وأخرجت فيلما في المغرب، فمن المرجح أن يكون مرتبطا بهذه القصص العائلية”.
وفي معرض حديثه عن خصوصيات مهرجان مراكش، قال المخرج الإيطالي إن هذا الحدث “فريد من نوعه”، فهو يجمع بين الابهار والاكتشاف.
وأشار إلى أن هذا المهرجان يوفر منصة للمواهب الجديدة التي غالبا ما تكون من المغرب وإفريقيا والعالم العربي، مبرزا أنه من الممكن خلاله اكتشاف أول فيلم لمخرج ستكون له مسيرة واعدة، تماما مثلما يمكن فيه حضور “ماستر كلاس” مع أيقونات مثل تيم بيرتون.
وأضاف جوادانينو أن مهرجان مراكش يقدم مجموعة مختارة من الأفلام من مناطق مختلفة من العالم، وغالبا ما تكون لمخرجين في بداية مسرارهم المهني، مشيرا إلى أن هذه الأعمال تعكس واقع السينما الحالية التي “تعتمد خيارات جمالية مثيرة للاهتمام”.
وخلص إلى أن الأمر يتعلق ب”فضاء يمكن أن تتجلى فيه السينما بكامل سحرها”.

