قارب أساتذة وباحثون، اليوم الأربعاء بالرباط، المسيرة الخضراء من وجهة نظر الإثنوغرافيا والتاريخ الاجتماعي، مسلطين الضوء على التحولات المجتمعية والثقافية التي رافقتها، والتي جعلت منها منصة للحوار حول المشاركة ومدرسة لتمثل قيم المواطنة وتقاسم تجربة جماعية فريدة.
وتقاطعت مداخلات المشاركين في ندوة دولية حول “الصحراء المغربية: التاريخ والتحديات الجيوسياسية”، التي نظمتها أكاديمية المملكة المغربية والمعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، بشراكة مع جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، عند استحضار عمق المعاني الرمزية للمسيرة مع التركيز على الأبعاد التنموية والإنسانية التي طبعت هذه الملحمة الوطنية، مستحضرين ما تنطوي عليه من رموز ودلالات تجاوزت البعد السياسي لتكشف العمق الإنساني والهوياتي للمغاربة.
وأكدوا خلال الجلسة الثالثة المنعقدة تحت عنوان “المسيرة الخضراء في ضوء الإثنوغرافيا والتاريخ الاجتماعي” ، على أهمية الجمع بين الرواية الرسمية للحدث والذاكرة الفردية والتجارب اليومية، بما يسمح بإعادة إنتاج صورة متكاملة للمسيرة، تعكس تنوع التجارب والمواقف التي أسهمت في تشكيل هذه اللحظة الوطنية الفريدة.
واستهل مدير المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، رحال بوبريك، كلمته بالعودة إلى أهم محطات المسيرة الخضراء، مستحضرا السياق الزمني الذي شهدت فيه المملكة هذا الحدث الفريد، ومبرزا الدوافع التاريخية والسياسية والاجتماعية التي شكلت الإطار العام للمسيرة.
وأشار إلى أن فهم هذه الملحمة يتطلب الوقوف عند هذه المحطات التاريخية الأساسية، بما يشمل الاستعدادات والتخطيط والتنظيم، فضلا عن استعراض الخطابات الملكية والشواهد الوثائقية، لتقديم قراءة متكاملة تربط بين البعد الوطني الرمزي والمعيش اليومي للمشاركين.
واستحضر رئيس شعبة الأنثروبولوجيا بجامعة ابن طفيل، عبد الله هرهار، في مداخلة بعنوان “إثنوغرافيا المسيرة الخضراء”،عبق التاريخ وذاكرة المشاركين، مشيرا إلى أن المقاربة الإثنوغرافية تتيح تسليط الضوء على البعد الإنساني، من خلال توثيق الشهادات وتحليل الوثائق الرسمية، إضافة إلى مقابلات ميدانية توثق التجربة المباشرة.
وفي سياق مواز، اقترحت الباحثة في علم الاجتماع، محجوبة قاوقو، في مداخلتها بعنوان «المسيرة الخضراء والتحرير السياسي عبر فعل البناء الاجتماعي: دراسة في المحتوى الإعلامي الرقمي»، مقاربة المسيرة من منظور التاريخ الاجتماعي، مضيفة أن العمل العلمي ينظر إلى المسيرة باعتبارها فعلا اجتماعيا جماعيا ساهم في بناء الحدث السياسي، و فضاء ذهنيا أعيد عبره تشكيل الوعي الجمعي للمغاربة بآثار ممتدة في الزمان والمكان.
أما بالنسبة لمحور حضور المرأة في المسيرة، فتساءلت الأستاذة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، كوثر لبداوي، هل كان هذا الحضور تعبيرا عن مشاركة فعلية ومواطنة كاملة، أم رمزا لخدمة سردية الإجماع الوطني وإعلان ميلاد مغرب ما بعد الاستعمار الساعي إلى ترسيخ حقوق النساء؟، مستعرضة من خلال مداخلتها بعنوان «المرأة ضمن حدث المسيرة الخضراء: مقاربة إيقونوغرافية تقاطعية»، أهمية حضور المرأة كعنصر محوري لفهم البعد الاجتماعي والرمزي لهذه الملحمة الوطنية.
من جانبه أبرز الأستاذ بجامعة محمد الأول بوجدة، أناس ابن الشيخ، في مداخلة بعنوان «سرديات المعيش اليومي: إثنوغرافيات وتجارب المشاركين في المسيرة الخضراء»، أن كل تجربة يومية في المسيرة كانت حكاية تعكس التضامن والوحدة، مؤكدا أن هذا التحليل الإثنوغرافي يساعد على فهم الأثر الثقافي للمسيرة الخضراء، ومدى مساهمتها في إنتاج معجم اجتماعي مشترك.
وتضمن برنامج هذه الندوة الدولية جلسات علمية تناولت الأبعاد التاريخية و الجيوسياسية للمسيرة الخضراء، بمشاركة ثلة من الباحثين والمفكرين من داخل المغرب وخارجه، قدموا تفكيرا جماعيا في الدلالات المتعددة لهذه الملحمة الوطنية.
و م ع

