في ظلِّ عَصرٍ تُطِلُّ فيه الثورة التكنولوجية بِوَعْدِها بِإعادة تشكيل مَفاهيم التنمية المستدامة، يَبرز الذكاء الاصطناعي كَحَليف استراتيجي لمواجهة أَحد أَكبر التحديات الوجودية التي تُواجه البشرية و يتعلق الأمر بتدبير الموارد المائية في قطاعٍ حيوي كالفلاحة، خاصةً مع تزايد حِدَّة التغيرات المناخية التي تُعيد رسم خريطة التساقطات المطرية حول العالم. ففي دولٍ مثل المغرب، حيث تَتَقلَّص مُعدَّلات الأمطار سنويًّا، وتَزداد فترات الجفاف تَكرارًا وَعُمقًا، أصبحت الحاجة إلى استغلال كل قطرة ماء بِدِقَّةٍ وَذَكاءٍ أمرًا مُلِحًّا لضمان الأمن الغذائي وَحِماية النُّظم البيئية.
هنا، تَتحول التكنولوجيا من مُجرد أَدواتٍ مُساعِدة إلى رَكيزةٍ ثورية تُعيد تعريف كيفية توزيع المياه وَتحسين الري وَرصد الاستهلاك، عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تُحلِّل البيانات الجَوّية في الزمن الحقيقي، أو أنظمة الـإنترنت الأشياء (IoT) التي تُراقب رطوبة التربة وتُوجِّه الموارد المائية بِفَعَاليةٍ قياسية. فما كان يومًا عُرضةً للهدر أو التقدير العشوائي، أصبح اليوم مَيدانًا لـالزراعة الذكية التي تَدمج بين حِكمة الفلاح التقليدية وَدِقَّة الآلة.
لكن، رُغم هذا الوعد التكنولوجي، تَبقى الأسئلة الأخلاقية والاقتصادية حاضرةً: هل ستنجح الدول، خاصة النامية منها، في تبني هذه الحلول بِسُرعةٍ تُناسب تسارع الأزمات المناخية؟ وكيف يُمكن لِبلدٍ كالمغرب، الذي يُعدُّ نموذجًا لإفريقيا في مشاريع كـبناء السدود وَالري الموضعي، أن يَستفيد من الذكاء الاصطناعي لِتعزيز رِيادته في إدارة المياه؟
محاولة الإجابة عن هذه الاسئلة قد نجدها في كلمة المدير العام المساعد لمنظمة الأغذية والزراعة والممثل الإقليمي لإقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، عبد الحكيم الواعر في الجلسة الافتتاحية لأشغال المؤتمر الوزاري الخامس لمبادرة تكييف الفلاحة الإفريقية مع التغيرات المناخية المنعقد بمناسبة الدورة الـ 17 للمعرض الدولي للفلاحة بالمغرب.
أبرز السيد الواعر أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مفهوما مستقبليا، بل أضحى أداة قوية تحدث تغييرات واقعية كبيرة في قطاع المياه، مضيفا أن “الذكاء الاصطناعي يوفر لنا القوة والذكاء اللذين نحتاجهما لمواجهة التحديات الراهنة في المجال”.
وفي معرض حديثه حول الحلول المبتكرة للتكيف مع التحديات المتعلقة بالماء، قال المسؤول ذاته إننا “نقف اليوم عند تقاطع التكنولوجيا والاستدامة، حيث ي حدث الذكاء الاصطناعي ثورة في المجال الفلاحي، فهو ليس مجرد أتمتة، بل مفتاح لمستقبل تكون فيه الفلاحة أكثر كفاءة ومرونة وصديقة للبيئة”.
ولم يفت السيد الواعر أن أعطى أمثلة مهمة لبعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتنوعة في مجال المياه، مشيرا إلى أن مراقبة جودة المياه في الوقت الفعلي قادرة على كشف التلوث بشكل فوري، مما يحمي الصحة العامة والنظم البيئية، مضيفا أن الأنظمة التكنولوجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ت حلل بيانات الاستشعار لتحديد الملوثات، بل وتتنبأ باتجاهات جودة المياه.
وأشار إلى أن التكنولوجيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي من شأنها أن تمكن الفلاحين من تحسين إنتاجية محاصيلهم، من خلال الزراعة الدقيقة، واستخدام المياه والأسمدة والمبيدات بكفاءة، مضيفا أن “نماذج التعلم الآلي” قادرة على التنبؤ بأنماط الطقس، مما يساعد صغار الفلاحين على الاستعداد للجفاف أو الأمطار الغزيرة.
وتابع أنه من خلال تبني الحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي، يمكن للقارة الإفريقية ضمان وتعزيز أمنها الغذائي، ومواجهة التحديات المناخية، وتمكين الفلاحين من اتخاذ قرارات صائبة وموجهة.
من جانبه، وفي موضوع المنظومات الغذائية، وقف البروفيسور شين جين فان، وهو عميد أكاديمية اقتصاد وسياسات الغذاء العالمية بجامعة الصين الزراعية، عند أهمية تقوية النظم الوطنية للحكامة في تحقيق الأهداف المتعلقة بانتقال المنظومات الغذائية للدول.
وشدد البروفيسور شين جين على ضرورة بناء ميكانيزم وطني موحد للتنسيق بين الوزارات والمؤسسات، مشيرا في هذا الإطار إلى أن المنظومة الغذائية تعد قضية عرضانية وجب أن تحظى باهتمام كافة الفاعلين.
كما ركز على أهمية تعميق النقاش وتبادل الخبرات في هذا المجال خدمة لأهداف تحول المنظومات الوطنية الغذائية وضمان صمودها أمام الصدمات المستقبلية.
يشار إلى أن المؤتمر الوزاري الخامس لمبادرة تكييف الفلاحة الإفريقية مع التغيرات المناخية تميز بمشاركة وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، رئيس مؤسسة المبادرة، أحمد البواري، وبتقديم مداخلات للأمين العام لمؤسسة المبادرة، سيني نافو، ورئيس مجلس إدارة “مجموعة القرض الفلاحي للمغرب.
وجمع هذا الاجتماع الاستراتيجي بين الوزراء الأفارقة المكلفين بالفلاحة، وممثلي المنظمات الإقليمية والدولية، والشركاء التقنيين والممولين، بالإضافة إلى الخبراء والممارسين في مجال الحراجة الزراعية، بهدف تعزيز المشاركة والتعاون بين البلدان في المجال.
يذكر أن الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب 2025 ينظم إلى غاية 27 أبريل الجاري، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وذلك بمشاركة 1500 عارض يمثلون 70 دولة، تحت شعار “الفلاحة والعالم القروي: الماء في قلب التنمية المستدامة”.
وتعتبر هذه التظاهرة محطة هامة لتعزيز التبادلات وتوطيد الشراكات الدولية وتسليط الضوء على الإجابات العملية للتحديات التي يواجهها القطاع الفلاحي
و م ع

