نيويورك …. عبد الكريم مومن
في ظل الأنباء المتداولة حول دراسة المغرب لإقتراح صيني لإبرام اتفاق تجارة حرة مع الصين، يتجدد النقاش حول جدوى مثل هذه الاتفاقيات بالنسبة للاقتصادات المتوسطة والصغيرة. فبينما يرى البعض أن الانفتاح الكامل على ثاني أكبر اقتصاد في العالم يمثل فرصة تاريخية لجذب الاستثمارات والتكنولوجيا، يحذر آخرون من مخاطر تعميق العجز التجاري وإضعاف الصناعة المحلية. وبين هذين الرأيين، يبرز سؤال أساسي: هل يحتاج المغرب إلى تجارة حرة مطلقة مع الصين، أم إلى تجارة حرة ذكية ومشروطة؟
بمجرد قراءة أرقام الصين التجارية والصناعية والبشرية، تلقائيا سوف يتوقف دماغك عدة مرات وتطرح سؤال: هل هو فخ أم فرصة تاريخية؟
ميزان تجاري غير متوازن
تشير بيانات التجارة الدولية إلى وجود اختلال كبير في المبادلات التجارية بين البلدين. فقد بلغت واردات المغرب من الصين حوالي 10.45 مليارات دولار خلال عام 2024، بينما لم تتجاوز الصادرات المغربية نحو الصين 541 مليون دولار فقط. وهذا يعني أن المغرب يستورد من الصين ما يقارب 19 ضعف ما يصدره إليها، مع عجز تجاري يتجاوز 9.9 مليارات دولار.
كما أن طبيعة المبادلات تعكس هذا الاختلال، فالمغرب يستورد أساسا المعدات الإلكترونية، والآلات الصناعية، والمركبات، والمنتجات النسيجية، بينما تتركز صادراته نحو الصين في المواد الأولية والمعادن مثل النحاس والخامات المعدنية. وهذا النمط يعكس علاقة مركز صناعي – مورد للمواد الخام، وهي علاقة تسعى معظم الاقتصادات الصاعدة إلى تجاوزها بشكل مستدام.
ماذا يقول علم الاقتصاد؟ (بين التأصيل والنقد)
تقوم النظرية الكلاسيكية للتجارة الدولية، وخاصة نظرية الميزة النسبية التي وضعها ديفيد ريكاردو، على أن الدول تستفيد عندما تتخصص في القطاعات التي تمتلك فيها كفاءة نسبية أعلى، ما يبرر الانفتاح التجاري من حيث المبدأ.
لكن المدرسة الحديثة في الاقتصاد السياسي ترى أن هذا الانفتاح، عندما يتم بشكل غير متكافئ، قد يؤدي إلى تثبيت التبعية الصناعية بدلا من كسرها. لذلك برزت نظرية حماية الصناعات الناشئة (Infant Industry Protection) التي دافع عنها فريدريش ليست، والتي تؤكد أن الدول النامية تحتاج إلى أدوات حماية مؤقتة لتطوير قاعدة صناعية قادرة على المنافسة.
وتاريخيا، لم تصل الصين وكوريا الجنوبية إلى قوتهما الصناعية عبر تحرير كامل ومبكر، بل عبر: فرض نسب عالية للمحتوى المحلي.
اشتراط نقل التكنولوجيا. حماية القطاعات الناشئة.
فتح تدريجي وموجه للأسواق.
دروس من التجارب الدولية
فيتنام: اعتمدت نموذج الانفتاح المشروط مع تطوير سلاسل التوريد المحلية، مما جعلها مركزا صناعيا مهما في الإلكترونيات.
تركيا: استخدمت مرونة في مراجعة سياساتها التجارية عندما أدى الانفتاح غير المتوازن إلى ضغط على صناعاتها المحلية.
إندونيسيا: ذهبت أبعد من ذلك في قطاع النيكل، حيث فرضت قيودا على تصدير الخام، ما أجبر الشركات الأجنبية على الاستثمار في التصنيع المحلي.
هذه التجارب تؤكد أن التجارة الحرة ليست نموذجا واحدا، بل منظومة يمكن تكييفها حسب الأهداف التنموية.
من التصدير الخام إلى التثمين المحلي: معضلة استراتيجية
يستمر المغرب في تصدير جزء مهم من موارده الطبيعية مثل الفوسفاط والمعادن في شكل خام، بينما تتم معالجة جزء كبير منها خارجيا. هنا تبرز فكرة التحول من اقتصاد تصدير المواد الأولية إلى اقتصاد التثمين المحلي (Value Addition) عبر لجذب استثمارات صناعية تحويلية، وتطوير سلاسل القيمة المحلية، وتشجيع الصناعات المرتبطة بالمعادن والطاقة.
لكن هذا التوجه يواجه تحديات موضوعية على أرض الواقع:
ارتفاع تكلفة الطاقة نسبيا مقارنة ببعض القوى الصناعية.
الحاجة إلى مواد وسيطة مستوردة تدخل في عمليات التنقية والتحويل.
تحفظ بعض الدول والشركات العملاقة على نقل التكنولوجيا الحساسة حرصا على مكتسباتها الاحتكارية.
آلية الحصص والسقف الجمركي المشروط بالإدماج المحلي
يمكن تصور آلية وسطية بين الانفتاح الكامل والحماية المطلقة، تعتمد على تحديد سقف سنوي للواردات برسوم منخفضة، وبعد تجاوز السقف، ترتفع الرسوم تلقائيا.
ولكن لضمان المطابقة القانونية وتجنب التعارض مع قواعد منظمة التجارة العالمية، وخصوصا اتفاقية TRIMs التي تمنع اشتراط المحتوى المحلي كالتزام إجباري، يتم إدخال تعديل جوهري ذكي:
بدلا من جعل الإدماج المحلي شرطا إلزاميا يعاقب من يخالفه، يتم تحويله إلى نظام حوافز تصاعدية طوعية (Tax & Investment Incentives).
بموجب هذا النظام، تظل الرسوم المرتفعة ما فوق السقف هي القاعدة العامة المطبقة على الجميع قانونا، لكن يفتح باب الامتياز التفضيلي الاستثنائي عبر ميثاق الاستثمار لخفض هذه الرسوم أو نيل تسهيلات عقارية وضريبية تصاعدية، فقط للشركات التي تختار طواعية المساهمة في:
تأسيس مشاريع مشتركة (Joint Ventures) مع مقاولات مغربية.
الانخراط في برامج نقل المهارات التشغيلية والتكوين المهني للأطر الوطنية.
تطوير وتأهيل سلاسل توريد مغربية حول الصناعات الكبرى لرفع نسبة الإدماج بشكل غير مباشر وعبر قنوات السوق الحرة.
من الطموح إلى الواقعية: أي البنود قابلة للتطبيق دوليا؟
إن نجاح أي اتفاق تجاري لا يعتمد على قوة الأفكار فقط، بل على مدى توافقها مع الإطار القانوني الدولي والتوازنات الجيوسياسية الحساسة.
1) البنود القابلة للتطبيق دوليا:
الحصص التعريفية (TRQs): وهي آلية مقبولة ومعترف بها في منظمة التجارة العالمية لإدارة تدفق السلع الحساسة عبر سقوف سنوية.
قواعد المنشأ الصارمة: تحديد المعايير التي تصبح بموجبها البضاعة مغربية الصنع لمنع تحول المملكة إلى مجرد محطة عبور لتغيير ملصقات السلع الصينية.
آليات الدفاع التجاري: تفعيل بنود مكافحة الإغراق (Anti-dumping) والتدابير الوقائية (Safeguards) عند تضرر قطاع وطني معين.
الحوافز الاستثمارية غير التمييزية: تقديم حوافز أفقية ترتبط بأهداف تنموية (كالتشغيل أو تنمية المناطق النائية) دون تمييز جنسية المستثمر.
2) البنود التي تتطلب صياغة مرنة:
المحتوى المحلي الإلزامي: يستبدل بنظام الحوافز والتسهيلات التصاعدية لمن يحقق نسب إدماج أعلى.
فرض نقل التكنولوجيا: يستبدل بسياسة التوطين المعرفي التدريجي القائمة على تشجيع مراكز البحث والتطوير المحلية عبر حوافز ضريبية جذابة.
منع تصدير الخام بشكل كامل: يستبدل بسياسات تسعير مرنة ورسوم تصديرية موجهة تحفز الشركات على التحويل المحلي طمعا في هوامش ربح أعلى بدل التصدير الخام.
معضلة الشركاء التقليديين
أي انفتاح واسع على الصين يجب أن يدار بحذر شديد ودون الإضرار بالعلاقات الاستراتيجية والاتفاقيات الخمسين الموقعة مع الشركاء التقليديين، وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. فالغرب يراقب بدقة ملفات دعم الدولة، وحماية الملكية الفكرية، ومكافحة التحايل التجاري، إذن هم لن يدخلوا معك بصراع إن كنت داخل الإطار القانوني والشرعي.
ولذلك يعتمد المغرب في استراتيجيته على:
دعم بيئة الإنتاج العامة: عبر تطوير البنية التحتية والموانئ والمناطق اللوجستية، وهو دعم مشروع دوليا، بدلا من دعم شركات بعينها.
الالتزام الصارم بقواعد المنشأ الغربية: لضمان أن السلع المصنعة برأس مال صيني فوق التراب المغربي تحقق نسب تحول جوهري حقيقية تؤهلها لدخول الأسواق الأوروبية والأمريكية بصفة قانونية ونظيفة.
تعزيز الحكامة الجمركية: لقطع الطريق أمام أي اتهامات بإعادة التصدير غير المشروع أو الالتفاف على العقوبات الدولية.
التجربة الواقعية: المغرب كمركز صناعي صاعد
بدأت بالفعل ملامح هذا التحول الذكي تتجسد على أرض الواقع من خلال مشاريع ضخمة في قطاعات استراتيجية مثل صناعة السيارات، والمنظومة الجديدة للبطاريات الكهربائية، ومكونات الطيران، والمناطق الصناعية المتطورة الموجهة للتصدير.
هذه القطاعات نجحت في جذب العمالقة الدوليين (بمن فيهم شركات صينية رائدة) لأنها لم تعد تنظر للمغرب كسوق استهلاكية محدودة، بل كمنصة إنتاج محصنة بالقانون الدولي وقريبة لوجستيا من الأسواق العالمية الكبرى، وهو ما يمنح المفاوض المغربي ورقة ضغط تفاوضية بالغة الأهمية.
العجز التجاري: هل هو دائما مشكلة؟
العجز التجاري ليس بالضرورة سلبيا إذا كان ناتجا عن استيراد معدات إنتاجية، آلات ثقيلة، ومدخلات تكنولوجية متطورة تساعد على بناء قاعدة صناعية مغربية جديدة ترفع من قدراتنا التصديرية وتنافسيتنا مستقبلا، إذن يجب التفريق بين العجز الإستهلاكي والعجز بسبب تطوير القدرات فهذا الأخير يعتبر إستثمار وليس عجز.
لكن العجز يصبح خطيرا واستنزافا حقيقيا للاقتصاد عندما يتحول إلى استهلاك محض للسلع النهائية المستوردة، دون أن يترك وراءه أي قيمة مضافة أو بناء لقدرات إنتاجية محلية مستدامة والأخطر التبعية المطلقة أو غير المتحكم فيها.
فالمغرب لا يملك قوة سوقية ضخمة تمكنه من فرض شروط صارمة أو تعجيزية على التنين الصيني، لكنه يمتلك في المقابل قوة استراتيجية ناعمة هائلة تقوم على موقعه الجغرافي الفريد، شبكة اتفاقياته التجارية المتعددة، بنيته الصناعية الصاعدة، وتحوله المتسارع نحو الطاقة النظيفة.
لذلك، لا يتعلق الخيار بنعم أو لا للتجارة الحرة مع الصين، بل عبر:
تصميم هندسة تجارية حرة ذكية، مرنة، ومتوافقة تماما مع القانون الدولي، تجعل من هذا الانفتاح أداة لبناء نسيجنا الصناعي الوطني وليس لإضعافه.
فالنتيجة النهائية التي يجب السعي نحوها هي انتقال المغرب الذكي من مجرد مستورد ومستهلك للسلع الصينية، إلى شريك صناعي موثوق ومنصة إنتاج دولية متكاملة داخل شبكة التجارة العالمية.

