يشكل اليوم العالمي للتراث السمعي البصري الذي يصادق يوم 27 أكتوبر من كل سنة، مناسبة لتجديد الالتزام ورفع الوعي عبر العالم بضرورة الحفاظ على تلك الموارد التي تشكل تراثا ثمينا لحفظ الذاكرة الجماعية.
وحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو)، فإن محفوظات التراثالسمعي والبصري “تحمل في طياتها حكايات عن أشكال حياة الأشخاص وثقافاتهم في جميعأنحاء العالم”، وتمثل بذلك “تراثا ثمينا يؤكد ذاكرتنا الجماعية، ومصدرا قيما للمعارف باعتبارهاتجسد التنوع الثقافي والاجتماعي واللغوي في مجتمعاتنا”.
ويهدف اليوم العالمي للتراث السمعي البصري إلى أن يشكل فرصة لرفع مستوى الوعي بشأنالحاجة إلى اتخاذ تدابير عاجلة والإقرار بأهمية الوثائق والمواد السمعية البصرية، حيث يمنحالدول الأعضاء لدى اليونسكو الفرصة لتقييم أدائها فيما يتعلق بتنفيذ توصية عام 2015 الخاصة بصون التراث الوثائقي، بما في ذلك التراث الرقمي، وإتاحة الانتفاع به.
ويتماشى اليوم العالمي للتراث السمعي والبصري مع المهام الرئيسية لليونسكو في ما يتعلقبتعزيز “حرية تداول الأفكار من خلال الكلمة والصورة” باعتبارها “تمثل تراثنا وذاكرتناالمشتركين”، وهو بهذا المعنى، “يسلط الضوء على دور التراث في بناء حصون السلام في عقولالبشر”.
هكذا إذا، يبرز اليوم العالمي للتراث السمعي البصري كمناسبة تحفز الوعي بأهمية الوثائق و الأرشفة متعددة الوسائط في تمكين العموم من فهم أفضل للعالم وتكريس قيم الحوارو التعاون من بوابة التنوع الثقافي.
المكان….و دوره في تشكيل الذاكرة الفردية و الجماعية
لكن ، يبدو أن اليونسكو لم تأخد بعين الاعتبار مكونا آخرا لهذا التراث البشري و المتمثل في الجانب المعماري (المكان)،أي تلك الفضاءات الرحبة التي احتضنت مختلف الإبداعات البشرية في مجالات السمعي البصري ، و التي تتطلب هي الأخرى اتخاد تدابير عاجلة للإقرار باهميتها و بالتالي العمل على صيانتها حتى تقوم بدور ربط الاتصال بالتاريخ المشترك للترات السمعي البصري.
مما لا شك فيه ان ” المكان ” يشكل حيزا مهما في الذاكرة البشرية كما يشكل أهمية عميقة في تلك الذاكرة ، حيث يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالذكريات والتجارب الإنسانية. فالمكان ليس مجرد مساحة جغرافية أو بنايات ؛ بل هو حامل للمعاني والرموز التي تتشكل فيها هويات الأفراد والجماعات. الأماكن تحتفظ في جدرانها ومعالمها بقصص الناس الذين مروا بها وأحداثهم، مما يجعلها جزءًا من الذاكرة الجماعية.
الذاكرة البشرية تتشكل بشكل كبير من خلال الأماكن التي نعيش فيها أحداثًا خاصة أو جماعية. على المستوى الفردي، تتشكل الذكريات في البيوت والأحياء والمدارس و مقرات العمل و بصفة عامة ألاماكن التي قضينا فيها لحظات مؤثرة.
و تعتبر الاستوديوهات و مختلف المرافق التي احتضنت الفعل السمعي ،رمزًا لتلك اللحظات، فعندما نزور مكانًا عشنا فيه تجربة خاصة، تعود إلى ذاكرتنا مشاعر وتفاصيل قد تكون طواها الزمن.كما أنها تحتفظ، على المستوى الجماعي،بذكريات أجيال بأكملها، وتسهم في تشكيل الهوية الثقافية والوعي الجمعي.
ان زيارة تلك الفضاءات تمكننا من اعادة ربط الاتصال بالتاريخ المشترك، كما تذكرنا بإنجازات وتضحيات الأسلاف.
للمكان حيز كبير في ذاكرتنا الجماعية
من خلال حفظ الأماكن التراثية والبنايات التاريخية، تستطيع المجتمعات الحفاظ على تاريخها وتعزيز صلة الأجيال الجديدة بماضيها. فالأماكن التراثية لا تسجل فقط الأحداث التاريخية، بل تنقل أيضًا العادات والتقاليد والقيم التي كانت سائدة في تلك الفترة. هذا يجعل من الأماكن ذاكرة حية تستمر في تعليم وتثقيف المجتمعات عبر الزمن.
و قد تشكل الأماكن محفزات قوية لاسترجاع الذكريات، حيث يحمل كل مكان عناصر حسية ،كالروائح، والأصوات، والألوان التي تثير في الذاكرة أحداثًا معينة. العودة إلى أماكن الطفولة أو الدراسة أو العمل غالبًا ما تعيد إلى الذهن مشاعر وتفاصيل دقيقة، مما يعزز عمق التجربة الإنسانية ويجعل الذكريات أكثر حيوية.
ضرورة الاهتمام “بالمكان “باعتباره مكونا للتراث السمعي البصري
نعم، للمكان ، المراد به هنا ، تلك الفضاءات التي احتضنت ذاكرة السمعي البصري ،أهمية كبيرة في هذا السياق، فهو ليس مجرد عنصر ثانوي بل يلعب دورًا رئيسيًا في حفظ وتوثيق التراث السمعي البصري.فالبنايات ،على اختلاف اشكالها ، مثل الاستوديوهات السينمائية و التلفزيونية و تلك الخاصة بالتسجيلات الإذاعية ، تعتبر بمثابة حاضنات لهذه الذاكرة السمعية البصرية. هذه الأماكن هي التي شهدت إنتاج وتسجيل وحفظ تلك اللحظات التاريخية التي تروي قصص الشعوب وتوثق تجاربهم.
للمكان ، ايضاً، أهمية ثقافية وعاطفية ؛ فهو يعكس البيئة التاريخية والاجتماعية التي نشأت فيها هذه المواد. إن البنيات ذاتها تحمل قصصًا وقيمًا ثقافية مرتبطة بالتراث، حيث توضح كيفية تطورت التكنولوجيا وأساليب الإنتاج . ومن هنا، نجد أن ترميم هذه الأماكن والحفاظ عليها يعتبر جزءًا لا يتجزأ من حفظ التراث السمعي البصري.
في كثير من الأحيان، يكون للمكان أيضًا تأثير في كيفية إدراك الناس للتراث؛ فزيارة استوديو قديم أو مكتبة أرشيفية تقدم تجربة حية تعيد الزائر إلى الزمن الذي أُنتجت فيه تلك المواد، مما يثري التجربة ويعزز التقدير لقيمة هذا التراث.
أحمد اكلكيم .
صحافي و باحث في علم الاجتماع الإعلامي .
داربوعزة في 26 اكتوبر 2024

