في فاتح دجنبر من كل عام، يتوحّد العالم في إحياء اليوم العالمي لمكافحة السيدا، مناسبة رمزية تعيد تسليط الضوء على واحد من أهم التحديات الصحية والاجتماعية التي عرفتها البشرية خلال العقود الأربعة الماضية. ورغم التقدّم الطبي الهائل الذي حوّل فيروس نقص المناعة البشرية من حكمٍ بالإعدام إلى مرضٍ يمكن التعايش معه، إلا أن المعركة لم تنتهِ بعد، ولا تزال الحاجة ملحّة لتقوية الوقاية وتوسيع العلاج ومحاربة كل أشكال الوصم والتمييز.
المغرب… تجربة متقدمة في المنطقة ولكنها غير مكتملة
و بهذه المناسبة أطلقت جمعية مكافحة السيدا ALCS نداء عاجلا لتعزيز الموارد المخصصة لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية في المغرب، محذرة من أن التراجع العالمي في التمويل يهدد المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية.رغم أن المغرب يعد من الدول التي راكمت تجربة لافتة في إدارة الاستجابة الوطنية لفيروس نقص المناعة البشرية. وتشير أحدث المعطيات إلى أن ما يقارب 23 ألفاً و500 شخص يعيشون اليوم مع الفيروس، وهو رقم مستقر نسبياً بفضل الجهود الوقائية والتشخيص المبكر. كما بلغت نسبة التغطية بالعلاج المضاد للفيروسات القهقرية 77%، وهي من أعلى النسب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ما يعكس تطوراً في البنية الصحية وتوفر الدواء المجاني وتوسيع قاعدة المستفيدين.
الفئات الأكثر هشاشة… التحدّي المتواصل
ورغم هذا التقدّم، لا يزال الوباء متركزاً بين الفئات الأكثر هشاشة مثل العاملات الجنسيات، ومتعاطي المخدرات بالحقن، والرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال. وتظل هذه الفئات الأكثر تعرضاً للوصم الاجتماعي، ما يجعلها بعيدة عن الخدمات الصحية، ويصعّب الوصول إليها ببرامج منتظمة وفعّالة.
إن مواجهة هذا الواقع تتطلب مقاربات موجهة ودائمة ترتكز على العمل الميداني، والشراكة مع المجتمع المدني، وتوفير خدمات صحية تراعي الخصوصيات الثقافية والسوسيو-اقتصادية. كما أن مكافحة الوصم والتمييز تظل خطوة أساسية لدمج هذه الفئات في منظومة العلاج والمتابعة.
مستقبل مكافحة السيدا… من العلاج إلى القضاء على العدوى
يأتي تخليد اليوم العالمي لمكافحة السيدا اليوم ليدعو إلى تسريع الخطى نحو الهدف الأممي المتمثل في القضاء على الوباء بوصفه تهديداً للصحة العامة بحلول 2030. وفي هذا السياق، يحتاج المغرب—as في دول العالم—إلى مزيد من توسيع الفحوصات المخبرية، وتعزيز التوعية في الوسط المدرسي والمهني، وتطوير خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، إضافة إلى دعم البحث العلمي والابتكار في مجالات العلاج والوقاية.
إن القضاء على السيدا لم يعد حلماً بعيداً، لكنّه يتطلب إرادة سياسية، واستثماراً مستداماً، وتعاوناً مجتمعياً واسعاً. واليوم العالمي لمكافحة السيدا ليس مجرد حدث سنوي، بل دعوة مفتوحة لمراجعة الجهود، ورد الاعتبار للمرضى، وتذكير العالم بأن صحة الإنسان حق لا يقبل التجزئة.

