كتب / أحمد أكلكيم
يحتفل العالم فيد الثالث من مايو من كل عام “باليوم العالمي لحرية الصحافة”، وهو تاريخ يعود إلى اعتماد “إعلان ويندهوك” عام ١٩٩١، الذي نصّ على ضرورة ضمان استقلالية الإعلام وتعدديته في إفريقيا والعالم. ثم تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم عام 1994كمناسبة عالمية لتذكير الحكومات والمجتمعات بأهمية حرية التعبير وحماية الصحفيين. لكن لماذا يُحتفل بهذا اليوم؟ وما هي دلالاته في سياق التحولات التكنولوجية الراهنة التي أعادت تشكيل مفهوم الإعلام نفسه؟
السياق التاريخي: من ويندهوك إلى العالم
يرتبط الاحتفال بيوم الصحافة العالمي بنضال تاريخي طويل من أجل كسر احتكار السلطة للمعلومات. فـ”إعلان ويندهوك” في ناميبيا، الذي جاء بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، مثّل نقطة تحوّل في النضال من أجل إعلام حرّ كأداة لبناء الديمقراطية. لاحقاً، توسعت دلالة اليوم لتصبح رمزاً لمقاومة الرقابة، والانتهاكات ضد الصحفيين، وترسيخ مبدأ أن الحق في الحصول على المعلومات هو حق إنساني أساسي. وفقاً لليونسكو، قُتل أكثر من 10700صحفي بين عامي 2006 و2023 ،بينما يُسجن المئات بسبب تناولهم لمواضيع لا تتماشى و ما تريده السلطة ، مما يجعل هذا اليوم منصةً دوليةً للضغط من أجل حمايتهم.
حرية الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي: الفرص والمخاطر
أعادت الثورة التكنولوجية تشكيل بيئة الإعلام بشكل جذري، فتحوّلت المنصات الرقمية إلى فضاءات رئيسية لإنتاج الأخبار وتداولها. لكن هذا التحول حمل تناقضاتٍ عميقةً على مستوى حرية الإعلام:
- من ناحية، سمحت التكنولوجيا بتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، وأتاحت مساحاتٍ للنشطاء والصحفيين “المواطنين “ لنقل الأخبار في دول تُخضع الإعلام التقليدي لرقابة مشددة، كما حدث في الربيع العربي.
- من ناحية أخرى، أدت خوارزميات التوصية (Algorithms) التي تعتمد عليها منصات مثل “فيسبوك” و”تيك توك” إلى تضييق التنوع الفكري، عبر تعزيز “غرف الصّدى” التي تُكرّس التحيزات وتُضعف الحوار المجتمعي. كما أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرةً على توليد أخبار مزيفة (Deepfakes) أو تضخيم التضليل الإعلامي، مما يهدّد المصداقية الأساسية للإعلام.
في هذا السياق، تبرز إشكالية “الرقمنة كسلطة جديدة”. فسيطرة الشركات التكنولوجية العملاقة على تدفق المعلومات تعيد إنتاج أشكالٍ من الهيمنة، حيث تُحدد الخوارزميات – المُصممة وفق مصالح تجارية – الأولويات الإخبارية للجمهور، مما يُضعف دور الصحافة المهنية كمراقب للسلطات ,بل إن بعض الحكومات تستخدم الذكاء الاصطناعي لمراقبة الصحفيين وتتبع مصادرهم، كما هو الحال في الصين عبر نظام “الائتمان الاجتماعي”.
مقاربة سوسيو-إعلامية: الإعلام كمرآة للتوترات المجتمعية
من الضروري قراءة هذه التحولات عبر منظور سوسيولوجي يربط بين الإعلام والبنى الاجتماعية. فحرية الصحافة ليست مجرد قضية قانونية، بل هي مؤشر على توازن القوى داخل المجتمع. في الدول التي تتعزز فيها الديمقراطية، يصبح الإعلام الحرّ أداةً لتعزيز المساءلة والشفافية، بينما في المجتمعات التي تتفشى فيها الانقسامات، تتحول المنصات الإعلامية إلى ساحات لتصعيد خطاب الكراهية، لا سيما مع غياب التنظيم الأخلاقي للذكاء الاصطناعي.
كما أن الثورة التكنولوجية عمّقت الفجوة بين الشمال والجنوب في الوصول إلى الموارد الإعلامية. ففي الوقت الذي تستثمر فيه الدول الغربية في أدوات مكافحة الأخبار المزيفة، تفتقر العديد من الدول النامية إلى البنية التحتية الرقمية والقوانين الكفيلة بحماية صحفييها، مما يجعلهم أكثر عرضةً للعنف الرقمي والمادي.
الخلاصة: نحو صحافة إنسانية في العصر الرقمي
اليوم العالمي لحرية الصحافة ليس مجرد احتفال، بل هو دعوةٌ لإعادة التفكير في مفهوم الحرية نفسه ضمن سياق رقمي معقد. يتطلب تعزيز حرية الإعلام اليوم سياساتٍ تعليميةً لمواجهة التضليل، وتشريعاتٍ تحدّ من احتكار البيانات، ودعماً مؤسسياً لصحافة الاستقصاء. كما يجب أن تتبنى الدول مبادئ “إعلان ويندهوك” في عصر الذكاء الاصطناعي، عبر ضمان أن تُستخدم التكنولوجيا كأداة لتمكين الإعلام الحر، لا كسلاح لإسكاته. ففي النهاية، حرية الصحافة ليست امتيازاً للصحفيين وحدهم، بل هي ضمانةٌ لكل فردٍ لكي يرى الحقيقة، ويُسمع صوته.

