الملحون في خدمة القضية الوطنية» شعار دورة جديدة تحتفي بالذاكرة الثقافية المغربية وتعيد الاعتبار لفنون أصيلة تستحق الحفظ والتثمين
تستعد مدينة تارودانت لاحتضان فعاليات الملتقى الوطني الثالث عشر لفن الكريحة والملحون، الذي تنظمه الجمعية الرودانية لفن الملحون والفنون الشعبية، بمناسبة الذكرى الواحدة والخمسين للمسيرة الخضراء، وبدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، والجماعة الترابية لتارودانت.
وتقام هذه التظاهرة الثقافية والفنية خلال الفترة الممتدة من 6 إلى 8 نونبر 2026، بقاعة الأفراح «شهرمان»، المعروفة سابقا باسم «سينما الصحراء» بمدينة تارودانت، تحت شعار «الملحون في خدمة القضية الوطنية»، في اختيار يعكس ارتباط التعبير الفني بالذاكرة الوطنية، ويبرز الدور الذي يمكن أن تضطلع به الفنون التراثية في ترسيخ قيم الانتماء والاعتزاز بالهوية المغربية.
ولا تقتصر أهمية هذا الملتقى على برمجته الفنية، بل تتجاوزها إلى المساهمة في صيانة الذاكرة الثقافية المحلية والوطنية، وإتاحة الفرصة أمام الأجيال الجديدة للتعرف على أنماط من التعبير الفني الأصيل، ظلت على امتداد عقود مرآة لحياة المغاربة وقيمهم وتصوراتهم الجمالية والاجتماعية.
وتشكل فنون الكريحة والملحون جزءا من الرصيد الثقافي الذي يستحق مزيدا من التعريف والتوثيق، بالنظر إلى ما تختزنه من إبداع شعري وموسيقي، وما تحمله من معانٍ إنسانية ووطنية، فضلا عن ارتباطها بمجالس الطرب والاحتفالات والمناسبات الاجتماعية التي ساهمت في تشكيل الذاكرة الجماعية.
تارودانت.. ذاكرة تراثية غنية تنتظر مزيدا من العناية
إن تنظيم هذا الملتقى يشكل مناسبة للتأكيد على أن مدينة تارودانت لا تختزل في أسوارها التاريخية ومعالمها العمرانية وأسواقها العريقة فحسب، وإنما تزخر أيضا بتراث لا مادي غني ومتنوع، تتوارثه الأجيال ويمنح المدينة خصوصيتها الثقافية والحضارية.
فإلى جانب فن الكريحة والملحون، تحتفظ تارودانت برصيد من الفنون الشعبية، من بينها الدقة الرودانية، وفنون الإيقاع والإنشاد، والتقاليد الاحتفالية، والممارسات الاجتماعية الجماعية التي تعكس روح التضامن والتآزر، فضلا عن المعارف والعادات المتوارثة التي تشكل جزءا من الذاكرة الحية للمنطقة.
وهو رصيد يحتاج إلى رؤية متكاملة لا تكتفي بتنظيم المهرجانات والملتقيات الموسمية، بل تجعل من صيانة التراث اللامادي ورشا ثقافيا مستمرا، من خلال التوثيق والتسجيل، وتشجيع الباحثين والمهتمين، ودعم الفنانين وحملة الذاكرة الشعبية، وفتح المجال أمام الشباب لاكتشاف هذا الموروث والمساهمة في استمراره.
كما أن تثمين هذا التراث يمكن أن يشكل رافعة للتنمية الثقافية والسياحية، ويعزز جاذبية تارودانت باعتبارها مدينة تاريخية قادرة على تقديم عرض ثقافي متكامل، يجمع بين المعالم المادية الحاضرة في فضائها العمراني والتقاليد الفنية والاحتفالية المتجذرة في وجدان سكانها.
تحية تقدير لكل الساهرين على هذه المبادرة
وإذ تستعد تارودانت لاحتضان هذه الدورة الجديدة من الملتقى الوطني لفن الكريحة والملحون، فإن كلمة تقدير وشكر مستحقة توجه إلى الجمعية الرودانية لفن الملحون والفنون الشعبية، وإلى كافة القائمين على هذه المبادرة الثقافية، تقديرا لجهودهم في خدمة التراث المغربي، وإصرارهم على إبقاء هذه الفنون حاضرة في المشهد الثقافي المحلي والوطني.
كما يستحق الشركاء والداعمون، وفي مقدمتهم وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، والجماعة الترابية لتارودانت، التنويه بمساهمتهم في دعم هذه التظاهرة، بما يعكس أهمية تضافر جهود المجتمع المدني والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية للنهوض بالشأن الثقافي وصيانة الذاكرة الجماعية.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في نجاح الملتقى خلال أيام انعقاده، بل في أن يشكل خطوة إضافية نحو إرساء ثقافة الاعتراف بالتراث المحلي، وإعطائه المكانة التي يستحقها ضمن السياسات الثقافية والتنموية للمدينة.
فتارودانت التي ورثت تاريخا عريقا وذاكرة غنية، تستحق أن يكون تراثها اللامادي حاضرا بقوة في برامجها الثقافية، وأن يجد فنانوها وروادها وحملة موروثها ما يلزم من دعم وتأطير وتوثيق، حتى تظل هذه الفنون جسرا يربط الماضي بالحاضر، وينقل إلى الأجيال المقبلة ملامح هوية ثقافية مغربية أصيلة .

