نيويورك: عبد الكريم مومن
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع الرسوم الجمركية على العديد من السلع المستوردة، مبررًا ذلك بحماية المنتجات الأمريكية وتعزيز تنافسيتها في السوق المحلية. لكن هل كانت هذه الخطوة حقًا في مصلحة الاقتصاد الأمريكي، أم أنها مجرد خدعة مالية تُخفي وراءها أهدافًا أخرى؟
الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب لم تكن مجرد إجراء حمائي، بل كانت في جوهرها ضريبة غير مباشرة، تهدف إلى زيادة مداخيل الخزينة العامة على حساب المستهلكين والشركات الأمريكية. فبدلًا من أن تعود هذه الأموال لدعم القطاعات المتضررة أو تعزيز الإنتاج المحلي، تم توظيفها في تمويل مشاريع حكومية أو تغطية العجز المالي وكذلك تمويل الجدران وسياساته التي أعلن عنها في برنامجه.
ضريبة غير معلنة
لطالما لجأت الحكومات إلى مثل هذه السياسات المالية لزيادة إيراداتها دون إثارة غضب المواطنين، إذ أن الضرائب المباشرة مثل ضرائب الدخل تُواجه بمقاومة شعبية، بينما يتم تمرير الضرائب غير المباشرة—كالرسوم الجمركية—بسهولة أكبر، لأنها تبدو في ظاهرها وكأنها تهدف إلى دعم الاقتصاد المحلي. ولكن في الواقع، هذه الرسوم ترفع تكاليف الاستيراد، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار على المستهلكين الأمريكيين، ويضعف القوة الشرائية لديهم.
الحماية المزعومة للمنتج الوطني
السؤال الأهم هنا: عن أي حماية للمنتج الوطني نتحدث؟ إن فرض الرسوم الجمركية لا يعني بالضرورة ازدهار الصناعات المحلية، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل ارتفاع تكاليف المواد الخام التي تحتاجها المصانع الأمريكية، مما يقلل من تنافسيتها عالميًا. كما أن هذه السياسات كثيرًا ما تقابلها إجراءات انتقامية من الدول الأخرى، مما يُضعف الصادرات الأمريكية ويفرض تحديات على الشركات التي تعتمد على الأسواق الخارجية.
من المستفيد؟
إذا لم يكن المنتج المحلي هو المستفيد الأول، فمن إذًا؟ الحقيقة أن المستفيد الأكبر من هذه السياسات هو الحكومة نفسها، التي تجني مليارات الدولارات من هذه الرسوم دون أن تعلن عنها كضرائب مباشرة. أما المستهلك الأمريكي العادي، فهو الضحية الحقيقية، حيث يواجه ارتفاعًا في أسعار السلع الأساسية، بينما تتحمل الشركات الأمريكية تكاليف إضافية قد تؤدي إلى تسريح العمال أو نقل الإنتاج إلى الخارج.
خدعة قديمة بثوب جديد
ما فعله ترامب ليس جديدًا، بل هو جزء من سياسة اقتصادية تلجأ إليها العديد من الدول لزيادة الإيرادات بطرق غير مباشرة. لكن الفرق يكمن في أن هذه الخطوة تم ترويجها على أنها دعم للصناعة الوطنية، بينما هي في الواقع مجرد وسيلة أخرى لجباية الأموال.
في النهاية، يمكن القول إن الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب لم تكن سوى ضريبة مقنعة، أثقلت كاهل المستهلكين والشركات الأمريكية، دون أن تحقق الفوائد الحقيقية التي وُعد بها المواطنون. فهل كانت حماية للمنتج الوطني، أم مجرد خدعة اقتصادية تخدم أغراضًا أخرى؟

