عبد الله بن أهنية
في الآونة الأخيرة، لاحظنا تزايدًا ملحوظًا في كثافة الفيضانات والأعاصير وقوتها الهائلة المخيفة، مما تسبب في كوارث مدمرة لم نعهدها ولم نراها من قبل، أودت بحياة العديد من الأشخاص وخلفت خسائر مادية ضخمة. هذه الظواهر الجوية العنيفة تُعزى إلى تغيرات مناخية غير مسبوقة، حيث تؤدي المنخفضات الجوية المفاجئة إلى تشكيل أعاصير شديدة القوة وسرعة رياح هائلة. على سبيل المثال، شهدت بعض المدن في الولايات المتحدة واليابان مؤخراً فيضانات عنيفة نتيجة لتكرار الأعاصير بشكل غير معتاد. ويُلاحظ أيضًا أن مدنًا ساحلية مثل ميامي Miami وتامبا Tampaومانيلا أصبحت أكثر عرضة للتأثر بالأعاصير والفيضانات أحدثت أضراراً جسيمة وتركت العديد بدون مأوى أو سكن.
في ظل هذه التغيرات المناخية المقلقة، أصبح من الضروري إعادة النظر في تصميم المدن وتخطيط البنية التحتية مستقبلاً. على سبيل المثال، قد تحتاج المدن إلى تطوير أنظمة صرف مائي أكثر فعالية لتفادي تراكم المياه أثناء العواصف، مع إيجاد حلول لتجميع تلك المياه وإمكانية الاستفادة منها في المستقبل. ويرى بعض الباحثين في هذا المضمار أن تصميم المباني يجب أن يتماشى مع معايير أكثر صرامة لتتحمل الرياح العاتية والفيضانات المهولة. وكما يرى بعض الباحثين، ربما قد تكون هناك حاجة لتصميم شوارع تختلف عما عهدناه وتكون بأرصفة مرتفعة وأنظمة تصريف مبتكرة، يمكنها التعامل مع كميات أكبر من المياه. وللإشارة، يمكن الاستفادة مما فعلته سنغافورة في تصميم بعض مدنها وذلك بترك ممرات لتصريف الرياح، بحيث لا تقف أي بناية في تلك الممرات في وجه التيار، مما يجعل الرياح تنساب بكل أريحية ولا تأثر حتى وإن ازدادت سرعتها. هذه الطريقة هي في الحقيقة مهمة للغاية خاصة بالنسبة لتلك البلدان المجاورة للمحيطات أو البحر كالمغرب مثلاً.
ومن الأمثلة التي يمكن تسليط الضوء عليها أيضاً، مدينة أمستردام في هولندا، التي استطاعت تطوير أنظمة تصريف مائي متقدمة لحماية المدينة من الفيضانات رغم أن جزءًا كبيرًا منها يقع تحت مستوى سطح البحر. هكذا، يفتح التغير المناخي الباب أمام أسئلة حاسمة حول كيفية بناء مدن قادرة على الصمود أمام الكوارث الطبيعية المتزايدة في المستقبل.
ومن الأمثلة الأخرى التي يمكن النظر إليها، على سبيل المثال لا الحصر، هي مدينة طوكيو في اليابان. فقد قامت طوكيو ببناء شبكة ضخمة من الأنفاق تحت الأرض تهدف إلى تصريف المياه الزائدة أثناء الفيضانات والأمطار الغزيرة. هذا النظام المعروف باسم “قنوات تصريف الفيضانات تحت الأرض” يُعد واحدًا من أكثر الحلول الهندسية تطورًا في العالم، ويعمل على حماية المدينة من تأثيرات العواصف والأمطار الموسمية التي أصبحت أكثر شدة نتيجة للتغيرات المناخية المفاجئة.
كما أن مدينة نيو أورلينزNew Orleans في الولايات المتحدة تعتبر مثالًا آخر، حيث تعرضت لإعصار كاترينا المدمر في عام 2005، وتكرر هذا في 2024، إلى جانب إعصار ميلتون الذي ضرب ولاية فلوريدا مؤخرا وبقوة. منذ ذلك الحين، قامت المدينة بإعادة تصميم وتحسين السدود والأنظمة الدفاعية ضد الفيضانات، بهدف التخفيف من تأثير الأعاصير المستقبلية. هذه التعديلات تشمل تحسين الوقاية من الفيضانات وتعزيز أنظمة الضخ لضمان تصريف المياه بشكل أسرع وأكثر فعالية.
وبالنظر لتلك الأمثلة، تظهرهذه الأخيرة الحاجة الملحة لتطوير الهندسة المعمارية والتخطيط الحضري للتكيف مع تغير المناخ والتقليل من الأضرار البشرية والمادية التي أصبحت تفاجئنا في أي لحظة، بل يصعب التنبؤ بمدى قوتها وما ستؤول إليه الأوضاع إن حدث ذلك. وكما نرى، لا أحد كان باستطاعته التنبؤ بشكل أو كيفية حدوث الفيضانات التي ضربت مؤخراً إحدى القرى بطانطان في المغرب، بحيث أن الجميع أخذ عل غرة أو غفلة، كما أن حجم المياه وكميتها الهائلة لم تعطي فرصة لأهالي القرية.
الهندسة المعمارية قديماً وحديثاً:
على مر التاريخ، كان تطور الهندسة المعمارية في العالم العربي بمثابة شهادة على القدرة على التكيف مع الطبيعة كما قلنا والإبداع أيضاً. خذ على سبيل المثال المنازل التقليدية ذات الفناء الواسع الموجودة في جميع أنحاء المغرب، أو تلك الموجودة في المدم العتيقة مثل فاس ومراكش، على سبيل المثال لا الحصر. توفر هذه الجواهر المعمارية، التي تتميز بتصميمها المواجه للداخل الشمس الحارقة مع تعزيز التهوية الطبيعية، والتمتع بالنظر إلى نجوم السماء الجميلة والقمر المنير آناء الليل. ولا توفر الشبكة المعقدة المعروفة باسم “المشربية” في بعض بلدان الشرق الأوسط الخصوصية فحسب، بل تعمل أيضًا كنظام تبريد سلبي من زوايا معينة، مما يسمح للهواء بالدوران بحرية أثناء وجود ضوء الشمس.
علاوة على ذلك، كانت الهندسة المعمارية العامية في العالم العربي منذ فترة طويلة متناغمة مع الفروق الدقيقة في تغير المناخ، حتى قبل أن يكتسب هذا المصطلح اعترافا واسع النطاق. خذ بعين الاعتبار مدينة البتراء القديمة في الأردن الحالية، حيث نحت الأنباط مساكن رائعة في المنحدرات ذات اللون الأحمر المائل إلى اللون الطيني. تمثل هذه الهياكل، بأنظمة إدارة المياه المبتكرة والممرات المظللة، مثالاً على النهج المستدام للبناء في بيئة صحراوية قاسية. أضف إلى ذلك ممرات الري الرائعة المنصوبة في أعالي بالصور العتيق ال>ي كان يحيط بمدينة إسطنبول وينقل الماء الطبيعي الصالح للشرب من منابع العيون في الجبال إلى أهالي المدينة بأكملها. وبالمثل، فإن أبراج الرياح في العمارة الخليجية التقليدية تُسخر قوة النسائم الطبيعية لتبريد المساحات الداخلية في المباني، بالإضافة إلى نظام الفتحات الصغيرة في الغرف. ولا شك أنك إذا قمت بزيارة بعض المدن العتيقة في المملكة العربية السعودية الشقيقة مثل مدينة شقرة ومدينة أشيقر وبريدة وعنيزة في منطقة القصيم وكذلك مدينة القصب وغيرها، فإنك ستعجب بمبانيها القديمة التي تسعى الدولة إلى ترميم معظمها نظراً لقيمتها التراثية التاريخية. وقد زرت تلك المناطق مرات متعددة ولي أحبة فيها لا يمكن أن ننسى كرمهم وشهامتهم العربية الأصيلة. وبالمناسبة أحيي أهل مدينة شقرة وأشيقر والقصب على حرصهم على التصاميم الجميلة المتجلية في بيت السباعي وفي المتحف العتيق في مدينة أشيقر وأحيي الساهرين على إدارته وعلى حسن تعاملهم مع الزوار وسعة صدرهم في تقديم المعلومات التاريخية، وهذا ما لمسته وأشدت به وأنا في المتحف. مما يوفر مخططًا للتصميم المستجيب للمناخ.
ومع ذلك، مع اجتياح الحداثة للعالم العربي، ظهر انبهار بناطحات السحاب الشاهقة والمناظر الطبيعية الحضرية المترامية الأطراف. أصبحت مدن مثل دبي والرياض مرادفة للمباني الشاهقة الجذابة التي تصل إلى السماء. وبينما ترمز هذه العجائب المعمارية إلى التقدم والازدهار، فإنها تشكل أيضًا تحديات كبيرة في مواجهة تغير المناخ.
الهندسة المعمارية كما يراها الرجل العربي البسيط:
شيّد الانسان منذ القدم بيوتاً وبنايات مختلفة، بل حفر الجبال ليصنع منها كهوفاً واتخذها مسكناً له، وقد بنى تلك البيوت بأشكال عجيبة وبدقة لا مثيل لها أحياناً رغم أنه م يلج أي مدرسة للهندسة المعمارية ولا غيرها. لقد عرف هذا الإنسان البسيط بفطرته وذكائه المواقيت ومواطن أشعة الشمس مع تغير فصول السنة ومهب الرياح ومواطن السيول، فعمل لكل هذا حساباً كي لا يتعرض مسكنه للإتلاف أو الضياع، ويتجنب الحر السموم والبرد القارس.
وبالرجوع مرة أخرى إلى ما كانت عليه الهندسة المعمارية عند الرجل البسيط في عهد أجدادنا ومن سبقوهم بمئات السنين، نلاحظ بأنه في معظم المساحة الشاسعة من العالم العربي، حيث ازدهرت الحضارات القديمة لآلاف السنين، كان تصميم وهيكل المباني دائمًا متماشياً وبشكل عميق مع البيئة وما يتطلبه محيط الفرد أو الجماعة. فمن رمال الصحراء العربية التي تحرقها الشمس إلى واحات المغرب الخصبة وجباله العالية، أظهر أسلافنا في العالم العربي في الحقيقة فهمًا عميقًا لما يحيط بهم من ظروف ومخاطر، وبذلك تمكنوا من صناعة عجائب معمارية يندهش لها الغرب إلى يومنا هذا، بحيث تتناغم مع إيقاعات الطبيعة وتقلباتها. صحيح أنه لم تكن هناك كهرباء، ومع ذلك فقد استطاعوا تشييد خيم من وبر وبعد ذلك بيوتاً من طين أو حجر تقهم الحر وزمهرير الرياح والبرد القارس. لقد استطاعوا بذكائهم وضع فتحات في زوايا معينة من بيوتهم لتلعب دور التكييف الطبيعي دون الحاجة لأية آلات. ومع اشتداد تغير المناخ وزيادة تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، فمن الضروري للعالم العربي أن يعيد تقييم نهجه في تصميم المباني وتشييدها.
تحديات وآفاق البناء المستقبلي:
نظرًا لأن الأعاصير والفيضانات الشديدة تعيث فسادًا في جميع أنحاء المنطقة بوتيرة متزايدة، فقد حان الوقت لإعادة التفكير في نموذج العمودية Vertical Construction في تصميم المباني. ومما لا شك فيه، فإن ناطحات السحاب الشاهقة التي كانت تبدو ذات يوم وكأنها رموز للهيبة، أصبحت الآن ضعيفة في مواجهة غضب الطبيعة. وبدلاً من ذلك، يجب أن يعطي مستقبل الهندسة المعمارية في العالم العربي الأولوية للمرونة والاستدامة على حساب الارتفاع الشاهق.
ومن زاوية أخرى، فإن أحد السبل الواعدة للبناء المستقبلي يكمن في مفهوم التصميم المناخي الحيوي، الذي يسعى إلى دمج العناصر الطبيعية في البيئة المبنية. يستمد هذا النهج الإلهام من التقنيات التقليدية مع الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة لإنشاء مباني صديقة للبيئة ومرنة للمناخ. على سبيل المثال، يمكن أن يساعد دمج الأسطح والجدران الخضراء في التخفيف من تأثير الجزر الحرارية الحضرية مع تعزيز التنوع البيولوجي. وبالمثل، يمكن لمبادئ تصميم الطاقة الشمسية السلبية تحسين كفاءة استخدام الطاقة وتقليل الاعتماد على أنظمة التبريد الاصطناعية.
علاوة على ذلك، يجب على العالم العربي أن يتبنى نهجا شموليا للتخطيط الحضري يأخذ في الاعتبار ترابط النظم الطبيعية. ومن خلال الحفاظ على المساحات الخضراء، واستعادة الأراضي الرطبة، وتنفيذ ممارسات الإدارة المستدامة للمياه، يمكن للمدن تعزيز قدرتها على الصمود في مواجهة الأحداث المناخية القاسية مع تعزيز بيئة أكثر صحة لسكانها. ومساحتها المركزية في الهواء الطلق، بينما تحيط بها الغرف سواء أكان المنزل من دور واحد أو دورين، كما يكسوها الظل بين الفينة والأخرى من زوايا مختلفة بحيث توفر فترة راحة من أشعة
دور الذكاء الاصطناعي في بناء بيئة مستدامة لمواجهة الأعاصير والفيضانات:
في ظل التحديات البيئية المتزايدة التي نواجهها اليوم، وكما أشرنا إليه آنفاً، فقد أصبح من الضروري التفكير في كيفية الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، وخاصة الذكاء الاصطناعي (AI)، لتطوير بيئة مستدامة وأكثر قدرة على الصمود أمام الكوارث الطبيعية مثل الأعاصير والفيضانات. فالذكاء الاصطناعي قد فرض وجوده، وأصبح يمثل أداة قوية يمكن أن تسهم بشكل كبير في تحسين تصميم المدن والبنية التحتية لمواجهة هذه التغيرات المناخية القاسية التي تكلف الأمم مبالغ خيالية لإعادة الإعمار وغير ذلك.
وبالإضافة إلى ذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دورًا رئيسيًا في تحليل البيانات الضخمة المتعلقة بالتغيرات المناخية والتنبؤ بالأعاصير والفيضانات قبل حدوثها. وباستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، يمكننا جمع بيانات من الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار المنتشرة في المناطق المعرضة للكوارث الطبيعية. هذه البيانات يمكن تحليلها في الوقت الحقيقي للتنبؤ بالأحداث المستقبلية بدقة عالية، مما يسمح للسلطات باتخاذ الإجراءات الوقائية المناسبة مسبقًا، مثل إخلاء المناطق أو تعزيز البنية التحتية.
ومن جهة أخرى، يمكن للذكاء الاصطناعي المساهمة في تصميم بنى تحتية أكثر قدرة على التكيف مع الظروف المناخية القاسية. على سبيل المثال، يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي محاكاة تأثيرات الفيضانات على المباني والجسور والطرق، مما يساعد المهندسين على تحسين تصميمها وإعادة هيكلتها أو وضع الدعامات اللازمة لتكون أكثر مقاومة لتلك الأحداث. هذا يشمل تصميم أنظمة صرف مياه ذكية تتكيف مع حجم الأمطار المتوقعة وتوجه المياه بعيدًا عن المناطق السكنية والتجارية. ليس هذا فحسب، بل يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير مواد بناء ذكية ومبتكرة لكي تكون لها القدرة على التفاعل مع البيئة المحيطة. على سبيل المثال، يمكن ابتكار مواد بناء تغير من خصائصها الهيكلية في مواجهة الرطوبة أو الضغط، مما يزيد من قدرتها على تحمل الظروف القاسية مثل الرياح العاتية أو الفيضانات. كما يمكن تصميم أسطح المباني لتكون ذاتية التنظيف أو مضادة للماء، مما يقلل من تأثير المياه الزائدة وتراكمها هناك، مما قد يحدث أضراراً بصلابتها وقدرتها على الصمود مدة طويلة.
أخيرًا، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تحسين نظم الإنذار المبكر والاستجابة للكوارث. فمن خلال تحليل بيانات الطقس والمياه في الوقت الحقيقي، يمكن لأنظمة الإنذار المبكر المدعومة بالذكاء الاصطناعي إرسال إشعارات دقيقة وسريعة للسكان المحليين والسلطات المعنية، مما يقلل من الخسائر البشرية والمادية. هذه الأنظمة تعتمد على تحليل سريع وشامل للبيانات، مما يساعد في تحسين فعالية القرارات اللازمة في اللحظات الحرجة، مما يمكن من تقليل الأضرار والخسائر البشرية والمادية. وهكذا، يظهر بوضوح أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون حلاً محوريًا في مواجهة التغيرات المناخية المتطرفة والمفاجئة. ومن خلال تحسين تصميم المدن والبنية التحتية، وتحليل البيانات الضخمة، وتطوير مواد بناء ذكية، يمكننا بناء بيئة مستدامة وأكثر مقاومة للكوارث الطبيعية، مما يضمن حماية أكبر للأرواح والممتلكات في المستقبل.
إلى جانب استخدام الذكاء الاصطناعي، تُعد الاستدامة في الهندسة المعمارية ركيزة أساسية في مواجهة التحديات المناخية. إن دمج تقنيات البناء المستدامة، مثل استخدام مواد صديقة للبيئة، وأنظمة الطاقة المتجددة، وتصميم المباني بحيث تقلل من استهلاك الطاقة والمياه، يساهم في تخفيف التأثير البيئي ويعزز التكيف مع التغيرات المناخية. ومما لا شك فيه، فإن المباني المستدامة، سواء من خلال دمج المساحات الخضراء أو استغلال مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية، تمثل الحلول المستقبلية التي يجب أن تُأخذ بعين الاعتبار. إن تحقيق هذا التكامل بين الاستدامة والذكاء الاصطناعي في التصميم الهندسي يجعل المجتمعات أكثر قدرة على مواجهة التحديات البيئية المتزايدة.
خلاصة:
وفي الختام، يمكننا القوا بأن العالم العربي يقف اليوم على مفترق طرق ويواجه ضرورة ملحة لإعادة تصور نهجه في الهندسة المعمارية والتنمية الحضرية في عصر تغير المناخ. ويأتي الذكاء الاصطناعي كأحد الحلول الحديثة التي يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في هذه العملية. فمن خلال تقنيات التنبؤ وتحليل البيانات الضخمة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تصميم مدن وبنى تحتية تتكيف مع التغيرات المناخية القاسية مثل الأعاصير والفيضانات. على سبيل المثال، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الأنماط الجوية واختيار المواقع الأكثر أمانًا لبناء المرافق الحيوية، بالإضافة إلى تصميم أنظمة صرف مياه فعّالة تستجيب فورًا لزيادة تدفق المياه أثناء الفيضانات. كما يمكن أن يسهم في تصميم مبانٍ ذكية تعتمد على تقنيات الاستشعار، والتي تعمل على تعزيز استدامة المنازل والمباني، وتجعلها أكثر مقاومة للكوارث الطبيعية. وختاماً يمكننا القول أيضاً أنه بالرجوع إلى الإرث الغني الذي تركه أجدادنا فيما يخص الهندسة المعمارية وتصميم البناء، يمكننا الاستفادة من أشياء كثيرة من الطبيعة وكذلك الاستفادة من أنظمة تكييف أو تدفئة طبيعية ابتكرتها عقول أجدادنا دون الحاجة إلى طاقة كهربائية أو غيرها. من خلال استلهام حكمة أسلافها وتبني الحلول المبتكرة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، تستطيع المجتمعات العربية بناء مستقبل تمتزج فيه المباني بسلاسة مع الطبيعة، مما يعزز المرونة والاستدامة والانسجام للأجيال القادمة. لقد حان الوقت للنظر إلى ما هو أبعد من انتظار الفيضانات والأعاصير، بل يجب التطلع إلى ميدان البناء والنهوض به نحو أفق أكثر مرونة وذكاءً واستدامة.
عبد الله بن أهنية: كاتب وباحث في مجال الشؤون التربوية والثقافية
أحد مؤسسي منصة 3B Golden Gate لتعليم اللغة الإنجليزية عن بعد

