في خضم الدينامية الاحتجاجية التي يقودها جيل Z122 في الفضاء العام المغربي، تتوالى ردود فعل الأحزاب السياسية وشبيباتها، في مشهد يكشف عن تحول لافت في علاقة المؤسسات الحزبية مع الشباب. فبينما اختار هذا الجيل التعبير عن مطالبه الاجتماعية والاقتصادية خارج قنوات الوساطة التقليدية ـ من أحزاب، ونقابات، وجمعيات ـ فإن الأحزاب، التي وجدت نفسها أمام تحدٍّ وجودي جديد، سارعت إلى إصدار بلاغات تتراوح بين الاحتضان والتفهم، محاولةً استعادة المبادرة.
حزب التقدم والاشتراكية، على سبيل المثال، اعتبر أن أفضل أسلوب للتعاطي مع الاحتجاجات السلمية للشباب هو الحوار والإنصات والاحتضان، في إشارة إلى رغبة في كسر الصورة النمطية التي تتهم الأحزاب بالعزلة والانغلاق. أما حزب التجمع الوطني للأحرار، فقد سعى إلى تأكيد استعداده للتفاعل والانخراط في أي مبادرة للحوار، في مسعى واضح لإعادة بناء جسور الثقة مع فئة عمرية باتت ترى في الفضاء العام الرقمي والميداني بديلاً عن القنوات التقليدية.
في الاتجاه ذاته، شدّد حزب العدالة والتنمية على تفهمه لمشروعية مطالب الشباب، غير أنه ربط هذا التفهم بضرورة الالتزام بالسلمية واحترام الدستور والقانون، وهو موقف يوازن بين محاولة القرب من الحركة الشبابية والحفاظ على الخطاب المؤسساتي الذي يحمي موقعه السياسي.
من جانبها، اختارت شبيبات أحزاب الأغلبية نهجاً عملياً، معلنة عن برنامج تنسيقي للتواصل مع الشباب المتظاهرين، في خطوة تكشف عن إدراك متأخر بأن غياب الوساطة السياسية يُفرغ الأحزاب من دورها المركزي في التنشئة والتأطير.
في قراءة سوسيو-سياسية، تعكس هذه البلاغات حالة ارتباك جماعي للأحزاب أمام موجة احتجاجية شبابية غير مؤطرة تنظيمياً، لكنها قوية رمزياً وواقعياً. فجيل Z122، الذي ترعرع في فضاء رقمي مفتوح، لا يتعامل مع السياسة بالمنطق التقليدي للحزب والنقابة، بل يبتكر فضاءات بديلة للتعبير عن ذاته، ما يجعل محاولات الأحزاب مغازلته أقرب إلى ردّ فعل دفاعي من كونه استراتيجية طويلة المدى.
إن السؤال المركزي الذي يطرحه هذا المشهد هو: هل تستطيع الأحزاب استثمار هذه اللحظة لإعادة بناء شرعيتها لدى الأجيال الجديدة، أم أن الفضاء العام سيظل مجالاً يحتكره الشباب كقوة احتجاجية تفرض إيقاعها على المؤسسات؟.
ورغم ما حملته هذه الدينامية الشبابية من رسائل قوية إلى البنيات السياسية والنقابية والحقوقية، فقد أجمع الرأي العام المغربي على أنّ جزءاً من هذه المظاهرات تم اختراقه من قبل جماعات تخريبية استغلت الحماس الشبابي للانحراف بالاحتجاجات عن طابعها السلمي. فقد شهدت بعض المناطق أعمال عنف وتخريب استهدفت ممتلكات المواطنين والمرافق العامة، الأمر الذي اضطرّ السلطات العمومية إلى التدخل حفاظاً على النظام العام وضماناً لسلامة الأشخاص والممتلكات. وهو ما يعيد النقاش إلى جوهر العلاقة بين التعبير السلمي كحق دستوري مشروع، وبين ضرورة حماية المجتمع من محاولات الركوب والانزلاق نحو الفوضى، في معادلة دقيقة بين الحرية والمسؤولية .

