Le212news.ma
مع اقتراب نهاية شهر رمضان المبارك، واستقبال عيد الفطر، تعود إلى الواجهة واحدة من العادات الاجتماعية الأصيلة التي ما تزال تقاوم النسيان، وهي عادة “حقّ الملح” التي تتشبث بها الاسر المغربية ذات الروابط الاجتماعية المتينة، حيث لا يزال هذا الطقس يحظى باهتمام خاص، خصوصاً لدى الأجيال القديمة التي ترى فيه اعترافا مستحقاًبمكانة المرأة داخل الأسرة.
في تلك الاوساط، لا يُنظر إلى “حقّ الملح” كهدية عابرة، بل كفعل رمزي يعكس عمق العلاقة بين الزوجين، حيث تتقاسم المرأة مع الرجل أعباء الحياة اليومية، كلٌّ من موقعه. فالمرأة هنا ليست فقط حارسة لدفء البيت، بل شريكة حقيقية في بناء توازن الأسرة، خاصة خلال شهر رمضان الذي تتضاعف فيه المسؤوليات.
الحاج محمد، فلاح، يلخص هذه المعاني بكلمات صادقة تنبع من تجربة يومية معيشة. يقول: “أغادر البيت في الصباح الباكر متوجهاً إلى الحقول، ولا أعود إلا قبيل أذان المغرب بقليل. حين أصل، أجد مائدة الإفطار جاهزة بكل تفاصيلها. وبعد عودتي من صلاة التراويح، أجد وجبة العشاء في انتظاري. ثم أخلد لشيء من الراحة، بينما تواصل زوجتي العمل، تُحضّر لوجبة السحور… هكذا هو حالها طيلة شهر رمضان، تعمل بالليل والنهار”.
ويضيف الحاج محمد بنبرة يغلب عليها الامتنان: “هذا ليس مجرد هدية… هذا حق. حقّها علينا أن نعترف بما تقوم به. الله يسمح لينا منهم، اللي عطيناهم قليل في حقهم”.
تعكس هذه الشهادة بوضوح كيف يُنظر إلى “حقّ الملح” في الوعي المحلي، ليس كطقس احتفالي فقط، بل كضرورة أخلاقية واجتماعية، تُجسّد ثقافة الاعتراف داخل الأسرة. فبين تعب الحقول وجهد البيت، تتشكل معادلة يومية من العطاء المتبادل، غير أن كفة المرأة تميل غالباً نحو مزيد من التضحية الصامتة.
ورغم التحولات الاجتماعية التي يشهدها المغرب، ما تزال هذه العادة تجد لها مكاناً في بعض البيوت ، خاصة لدى كبار السن، الذين يسعون إلى نقلها للأجيال الجديدة، ليس فقط كتراث، بل كقيمة إنسانية تُرسّخ الاحترام والتقدير داخل الحياة الزوجية.
إذن، يظل “حقّ الملح” أكثر من مجرد تقليد… إنه لغة عرفان، وذاكرة جماعية، وشهادة حية على مكانة المرأة التي تواصل، في صمت، صناعة تفاصيل الحياة اليومية. وبين كلمة طيبة وهدية رمزية، يبقى الأهم هو ذلك الإحساس العميق بأن ما تقدمه المرأة لا يُقابَل إلا بالامتنان، مهما كان بسيطاً.

