كتب / أحمد أكلكيم
مقدمة:
قرار الحكومة الاسترالية الأخير و القاضي بمنع الأطفال دون سن 16 عامًا من إنشاء حسابات على منصة “يوتيوب”، اعتبره البعض خطوة استباقية وجريئة في مواجهة التأثيرات السلبية المتزايدة للمنصات الرقمية على فئة القاصرين.
لكن، السؤال السوسيو اعلامي المعلق هو ; هل يمكن فصل هذا القرار عن التحولات العميقة التي تشهدها المجتمعات الغربية، وخاصة الأسترالية، في علاقتها بالطفولة، التعليم، والإعلام الرقمي ،وكيف يمكن فهم هذا المنع باعتباره استجابة لتفاعل مركب بين متغيرات اجتماعية، تربوية، وثقافية، تعكس قلقًا عامًا حول السلطة المتزايدة للخوارزميات في تشكيل الوعي والسلوك، خاصة لدى الفئات الهشة كالأطغال
خلفيات القرار بين المخاوف الرقمية والاعتبارات السيكولوجية
تشير السياقات التي واكبت اعلان الحكومة الاسترالية عزمها اقرار قانونا يمنع الأطفال دون سن السادسة عشرة من استخدام منصة يوتيوب لحمايتهم من “الخوارزميات المفترسة”، الى ان هذا الاخير جاء على خلفية تصاعد التحذيرات من خبراء التربية وعلم النفس والاجتماع من التأثيرات السلبية للمحتوى الرقمي غير المنظم على الصحة النفسية للأطفال. حيث بات واضحًا لهم أن خوارزميات “يوتيوب” لا تكتفي فقط بعرض المحتوى، بل تساهم في تشكيل عادات المشاهدة، وتوجيه الانتباه نحو مواضيع معينة، غالبًا ما تكون صادمة أو غير مناسبة للمرحلة العمرية.
من حهة أخرى أكدت وزيرة الاتصالات الأسترالية أنيكا ويلز- في بيان اليوم الأربعاء، “هناك مكان لوسائل التواصل الاجتماعي، ولكن لا مكان للخوارزميات المفترسة التي تستهدف الأطفال”، مشيرة إلى أن طفلين من كل خمسة أطفال أستراليين يقولان إنهما شاهدا محتوى غير لائق على المنصة الأمريكية.
كما علل بعض خبراء التربية في استراليا الامر بان الخطر لا يقتصر على العنف أو الإباحية، بل يمتد إلى ما يمكن تسميته بـ”العنف الرمزي” أو “التنميط الثقافي”، حيث يتم تشكيل صورة نمطية عن الجمال، النجاح، والقبول الاجتماعي، ما يكرس الإحساس بالنقص، القلق الاجتماعي، وحتى الاكتئاب لدى القاصرين.
التحولات التربوية في المجتمع الأسترالي و دور الدولة كفاعل وقائي
لعل ما ميز السياسة التربوية في أستراليا خلال العقدين الأخيرين ،هو ذلك التحول الملحوظ نحو تعزيز ما يسمى بـ”الرفاه الرقمي” للأطفال، من خلال مقاربة متكاملة تجمع بين التعليم، الرعاية النفسية، وضبط الفضاء الرقمي و في هذا الاطار يأتي قرار منع التسجيل في “يوتيوب” لمن هم دون 16 عامًا ليعزز هذا التوجه، مكرسًا دور الدولة كفاعل وقائي في الفضاء الرقمي.
و ذلك من خلال مؤسسات الدولة لحماية الطفل من التعرّض المفرط للتكنولوجيا. وقد أصبح من المألوف أن تعتمد البرامج التعليمية على تكوين الأطفال في الاستخدام الآمن للتقنيات، والوعي بمخاطر الإنترنت.
كما يأتي تدخل الدولة في قطاع التربية و التعليم ايضا من منطلق خلفيات اجتماعية ساعدت بدورها على تبرير القرار و يتعلق الامر بتراجع فعالية الضبط الأسري أمام سطوة الإعلام الرقمي.
فحتى داخل الأسر المحافظة أو الواعية، يجد الآباء صعوبة في مراقبة ما يشاهده أبناؤهم، خصوصًا مع الطابع التفاعلي والمغري للمحتويات التي تبثها المنصات.
لذلك، بات تدخل الدولة مطلبًا جماعيًا لمساعدة الأسر على القيام بدورها التربوي، خاصة بعد أن أصبح “اليوتيوبرز” هم المؤثرون الجدد الذين يحتلون مكانة “المربي الموازي” أو “المرجع الثقافي”
البعد السوسيو-ثقافي في الدفاع عن القيم المحلية في مواجهة العولمة الرقمية
لبعد أخرلم يتم اغفاله من قبل السلطات الاسترالية في هذا القرار و يتعلق الامر بالبعد السوسيو ثقافي الذي شكل جزءًا من رد فعل المجتمعات الغربية بصفة عامة في مواحهة موجة العولمة الرقمية التي فرضت نماذج ثقافية هجينة أو مهيمنة، تهدد المرجعيات الأخلاقية والقيم التربوية المحلية.
أستراليا، كسائر الدول الديمقراطية، تدافع اليوم عن سيادتها الرقمية من خلال حماية أطفالها من “الاستلاب الخوارزمي”، عبر فرض قواعد حازمة على شركات التكنولوجيا الكبرى، لا سيما تلك التي تتعامل مع الأطفال كمستهلكين، وليس كذوات في طور التكوين.
قرار أستراليا بمنع من هم دون 16 عامًا من إنشاء حسابات على يوتيوب لا يمكن اعتباره إجراء إداريا مجردا، بل هو تعبير عن تحوّل في الفلسفة الاجتماعية والسياسات التربوية، تحول يهدق بالاساس الى حماية الطفولة ،تلك الحماية التي لم تعد تقتصر على الأسرة أو المدرسة وحدهما، بل هي رهان مجتمعي شامل في عصر الإعلام الجديد.
وعليه، فإن المقاربة السوسيو-إعلامية تساعدنا في فهم هذا القرار كجزء من صراع مركب بين متطلبات الحماية، حريات الاستخدام، وهيمنة المنصات، في زمن أصبحت فيه الطفولة أحد أهم ميادين التفاوض بين الدولة والسوق والمجتمع.

