Le212news.ma
حين تُجرى مباراة المنتخب الوطني بين المغرب و هولندا فجر يوم الثلاثاء، لن يكون الملايين من المغاربةمجرد متابعين لتسعين دقيقة من كرة القدم، بل سيكونون جزءاً من لحظة وطنية جديدة تتجدد فيهامشاعر الانتماء، وتتجدد معها أيضاً مسؤولية الإعلام في مواصلة صناعة الصورة الإيجابية للمغرب. فقبلصافرة البداية، ستنطلق شاشات التلفزيون والإذاعات والمنصات الرقمية في بث خطاب تعبوي متزن،بينما ستستعد الساحات العمومية ومناطق المشجعين، داخل المغرب وخارجه، لاستقبال آلافالجماهير التي ستتابع اللقاء في أجواء جماعية استثنائية. إنها لحظة تؤكد مرة أخرى أن تشجيع المنتخبلم يعد مجرد انفعال رياضي، بل أصبح ممارسة اجتماعية وثقافية وإعلامية تعكس تماسك المجتمعالمغربي وقدرته على الالتفاف حول رمز يوحد الجميع. ولذلك، فإن نتيجة المباراة، مهما كانت أهميتها، لاينبغي أن تحجب حقيقة أكبر مفادها أن المغرب نجح، مرة أخرى، في تحويل كرة القدم إلى قوة ناعمةتعزز حضوره الدولي، وتقدم للعالم صورة شعب متضامن، واثق بنفسه، ومتشبث بقيمه الوطنية.
ان المتتبع للمشاركة المغربية في كأس العالم 2026 عبر وساأل الإعلام و شبكات التواصل الاجتماعي سرعان ما يتوصل إلى قناعة ان تلك المشاركة لم تكن مجرد حدث رياضي عابر، بل تعتبر لحظة اجتماعية وإعلامية بامتياز، تدل على مدى قدرة المغاربة على تحويل هذه اللعبة الشعبية إلى لغة مشتركة بينهم و على اختلاف مشاربهم ، و بالقالي تحويلها إلى رأسمال رمزي يعزز صورة المغرب في العالم.
صحيح ان أسد الأطلس هم من يخوض المعركة داخل الملاعب ، لكن الإعلام المغربي و وسائل التواصل الاجتماعي ، في المقابل يقومان بنفس المهمة ، حيث معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة الصورة، والانتماء، وبناء الوعي الجماعي.
لقد توفق الإعلام المغربي، بمختلف مكوناته، في الانتقال من مجرد نقل الأخبار إلى ماهو أقوى من ذلك من خلال خلق اجواء تعبوية ، تقوم على الرفع من منسوب الثقة الثقة في اسود الأطلس قبل و بعد خوض اية معركة من المعارك التي حققوا فيها انتصارات باهرة ، اضافة إلى تقوية الشعور بالانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية، بعيداً عن الخطابات المتشنجة أو الشعبوية. و قد تجلى ذلك في مختلف مظاهر التضامن، وحضور مغاربة العالم، ومبادرات المؤسسات والجماعات الترابية التي جعلت من متابعة المباريات مناسبة وطنية بامتياز عبر مختلف المدن و القرى المغربية، لما تحولت الساحات العمومية إلى فضاءات للمشاهدة الجماعية، تجمع الأسر والشباب والأطفال وكبار السن في مشهد اجتماعي نادر. كما شهدت عواصم ومدن عديدة عبر العالم إقامة فضاءات مماثلة من طرف الجالية المغربية، لتؤكد أن الانتماء الوطني لا تحده الجغرافيا.
و لعل هذه الظاهرة ، المشاهدة الجماعية ، تستدعي من منظور سوسيو-إعلامي، وقفة تأمل باعتبارها شكلاً من أشكال إعادة بناء الروابط الاجتماعية. ففي زمن تتحدث فيه الأدبيات السوسيولوجية عن تنامي الفردانية والعزلة الرقمية، جاءت المشاهدة الجماعية لتعيد الاعتبار للفضاء العمومي باعتباره مجالاً للتفاعل الإنساني، وتبادل المشاعر، وإنتاج الإحساس بالانتماء المشترك. لقد أعادت كرة القدم، بفضل الإعلام، اكتشاف المجتمع لنفسه.
من جهة أخرى ، فان عودة هذه الظاهرة ، المشاهدة الجماعية ، إلى الفضاء العمومي ،تؤكد ان ما عاشه أن الإعلام لم يعد مجرد وسيط لنقل الأحداث، بل أصبح فاعلاً اجتماعياً يصنع المعنى، ويؤثر في السلوك الجماعي، ويعيد تشكيل صورة الوطن في الداخل والخارج. كما أن شبكات التواصل الاجتماعي، حين تُستثمر في نشر القيم الإيجابية، تتحول من مجرد منصات للتفاعل إلى أدوات لتعزيز الرأسمال الاجتماعي وبناء التضامن الوطني.
غير ان السؤال السوسيولوجي الذي سيبقى معلقا هل ان هذه الظاهرة ستظل مرتبطة بالمواعيد الكروية وحدها، أم أنها يمكن ان تتحول إلى ثقافة مجتمعية دائمة، يستثمرها الإعلام والمؤسسات العمومية والمدنية في ترسيخ قيم المواطنة، والتطوع، والتضامن، والانخراط الجماعي في مشاريع التنمية؟

