دبي: سعيد ودغيرى حسنى
منذ طفولتي وأنا أرافق هذا الفنان الكبير في خطواته ،كان خطه كما لو أنه يمتزج مع روحي ويبث في نفسي حب هذا الفن العريق ،كان دائمًا ما يدهشني كيف يمكن لحروفه أن تكون أبهى من الجمال وكيف كان يتعامل مع الحروف كأنها أرواح تعيش بين يديه ،كان خطه ينساب على الورق كما يسيل الماء في مجرى النهر يعانق الأسطر بسلام وطمأنينة.
لقد كانت فرحته عظيمة حينما كان ينتهي من لوحاته وعيناه تلمعان بفخر وهو يراها تزين الأماكن .
الناس كانوا يتسابقون ليخط لهم أسمائهم على ورق مزخرف يضعونه على أبواب مكاتبهم ،أو على مكاتبهم أو في منازلهم في تلك اللحظات كان يرى في عيونهم البهجة التي كان يطمع في منحها لكل من حوله.
كان يحب السفر وكان سفره ليس فقط من أجل الفن بل كان رحلة روحية في دروب الإنسانية كان يعشق الموسيقى الأندلسية والشرقية وخاصة محمد عبد الوهاب، وكان يمتلك صوتًا جميلا يردد بعض مقاطعه ويعبر عن سعادته بحياة مليئة بالإبداع والفن.
ولكنه كان أعمق من مجرد فنان فهو كان إنسانا طيبا ،كان قلبه واسعا لا حدود له وكان يسعى دوما لإسعاد من حوله كان من المحبين للحياة ولم يتوقف أبدا عن منح جمال خطه للناس، كان خطه يتنفس في كل زاوية ويترك بصمته في كل مكان حتى بعد وفاته.
كتب في الكعبة المشرفة آية من القرآن الكريم وهي قوله تعالى “إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرًا فإن الله شاكر عليم” صدق الله العظيم.
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وها هي ذكراه خالدة في الخط وفي كل مكان رسم فيه حرفا وكل مكان جالت فيه أنامله المبدعة وكل قلب لمسته هذه الحروف الرقيقة.

قصيدة في حقه:
يا من كان خطك أروع ما يكون
سطرت في الكعبة آية من السكون
حروفك كانت أنغامًا في الفضاء
تنساب في القلب بحب وبهاء
كنتَ في كل حرف شمسًا تشرق
وفي كل خط للروح ترتق
من ريشتك الحياة أبهى وأجمل
ومع كل بوح كان الجمال يكمل
رحمك الله يا صاحب الأثر
ورحمة الله على خطك الذي سطر
ذكراك باقية في القلب كما هي أبدًا
ستظل نورًا بهيًّا في الذاكرة
زبدة القول:
لقد عرفت هذا الرجل العظيم منذ صغري، وعشت معه لحظات من التعلم والدهشة في فن الخط. شاهدته وهو يخلق من الحروف عالما كاملا قادرا على لمس القلوب وها أنا اليوم بعد أن قمت بزيارة قبره في مقبرة القوز بدبي والترحم عليه أكتب هذه الكلمات لتظل ذكراه حية فينا جميعًا.
لقد تجولت في المكان الذي يرقد فيه تأملت في صمت القبر وكانه يحمل صدى كل حرف رسمه بيديه كل زاوية من هذا المكان كانت تنطق بذكرى هذا الفنان الفذ الذي ترك بصمة لا تمحى في كل عمل قام به وكأن قبره أصبح جزءا من اللوحة التي كان يكتبها في الحياة بألوان من الإبداع والمحبة.
على أسرته الصغيرة والكبيرة أن يفتخروا به، فقد كان ليس فقط خطاطا مبدعا بل كان إنسانا فذا طيب القلب بعيدا عن الأضواء أحب الجميع وأهدى لهم جمالً في كل حرف كتبه ،ستظل صورته في القلوب وفي الذاكرة وفي الفن الذي تركه ورائه للأجيال القادمة ليشربوا من معينه ويسيروا على درب خطه.


