بقلم سعيد ودغيري حسني
رحل عبد القادر مطاع… رحل كما يرحل الشجر حين يكتفي من العطاء، فيترك ظله للأجيال القادمة ويمضي راضياً. رحل الوجه المغربي الذي وحّد حوله المغاربة جميعاً، من طنجة إلى الكويرة، من فاس إلى الصحراء، من الأحياء الشعبية إلى المدن الكبرى، فقد أحبوه لأنهم رأوا فيه أنفسهم.
عبد القادر مطاع لم يكن ممثلاً فقط، بل كان رمزاً مغاربياً جامعاً، يطلّ من شاشة التلفاز فيجتمع حوله الصغير والكبير، البسيط والمثقف، الرجل والمرأة، لأن في حضوره شيئاً من دفء العائلة. كان صوته يملأ البيوت المغربية بالبهجة، وكان حضوره يزرع الاحترام في كل قلب. لم يكن يلهث خلف الشهرة، بل كانت الشهرة تسعى إليه بوقار المحبة.
هو صاحب “أنا العود البيض يا بابا”، الصوت الذي دخل كل بيت بلا استئذان، وصاحب “سوبر لوكس”، الإعلان الذي صار درساً في الإبداع والإقناع، يوم كان الإشهار فناً والصدق لغة. كان صوته، وحده، يبيع الفكرة قبل المنتوج، ويمنح الناس ثقة في ما يُقال لأنهم كانوا يؤمنون بصاحبه.
في الدراما، كان ركناً من أركان الذاكرة المغربية والعربية. من فيلم “وشمة” الذي خلّد بداية السينما المغربية، إلى “الشرقي أو الصمت العنيف”، حيث جسّد الإنسان المقهور الباحث عن ذاته. ثم توالت الأعمال التي صنعت مجد التلفزيون المغربي في أبهى مراحله:
في “خمسة وخميس”، أضحكنا وبكّانا في الوقت نفسه، وجعل من شخصيته مرآة للمغاربة في صدقهم وتناقضاتهم. وفي “ذئاب في الدائرة”، قدّم درساً في التمثيل الهادئ العميق، وفي “ستة من ستين” و”دواير الزمان”و”دموع الرجال”ظل محافظاً على نبل الأداء وجمال الكلمة.
لم يكن عبد القادر مطاع فناناً يُقلّد الحياة، بل كان يعيشها على الشاشة بصدقها وبساطتها. كان حين يتكلم تُصغي إليه المدن والقرى، وحين يبتسم يبتسم معه المغرب بأسره. عاش مغربياً بالفطرة، ومات مغربياً بالقيمة، شامخاً كأطلس، صبوراً كالفلاح، كريماً كالماء الذي يسقي ولا ينتظر الشكر.
يا عبد القادر مطاع… لم تكن فناناً فحسب، كنت ذاكرة وطن. جمعت المغاربة حول الفن النظيف كما يجمعهم الأذان على المحبة. علمتنا أن الفن رسالة لا تجارة، وأن الأخلاق هي أجمل ما يقدّمه الممثل لجمهوره. كنت من زمن الرجال الذين لا يتكررون، زمن الصدق قبل التصفيق، وزمن العطاء قبل الأضواء.
رحلت، لكنك تركت فينا ضوءاً لا ينطفئ. تركت فينا صورة الفنان الحقيقي الذي يرفع رأس وطنه بالفعل لا بالقول. ستبقى في ذاكرة المغاربة رمزاً للوقار، ونغمة خالدة في أذن الوطن.
سلام عليك يا صاحب “أنا العود البيض يا بابا”، يا من كنت تغني للحياة دون موسيقى.
سلام على صوتك الذي ما زال يسكن بيننا، وعلى وجهك الذي يطل من الذاكرة كلما اشتقنا إلى زمن النقاء.
سلام على كل خطوة مشيتها في دروب الفن بشرف، وعلى كل مشهد تركته لنا أمانة.
نم مطمئناً يا عبد القادر مطاع، فقد أحبّك المغاربة جميعاً، وما زالوا يحبونك.
أديت رسالتك بصدق المبدعين، وها هو الوطن كله يقف اليوم مودعاًك بالحب والدعاء

