الحاج عبد اللطيف بن شقرون… هرم الصورة وذاكرة الزمن الجميل
كتب/ أحمد أكلكيم
في الزمن الذي كانت فيه الكاميرا التلفزيونية تُحمل بوقار يشبه حمل الشهادة، كان الحاج عبد اللطيف بن شقرون واحداً من أولئك الذين لم يروا في الصورة مجرد إطار بصري، بل ذاكرة وطن تُصاغ بالصبر والانضباط والالتزام. مصوّر تلفزيوني من جيل “الزمن الجميل”، اشتغل بالمحطة الجهوية للتلفزة بمدينة الدار البيضاء، التابعة للإذاعة والتلفزة المغربية، في مرحلة كان فيها الإعلام العمومي مؤسسة تربية قبل أن يكون أداة إخبار.
يُعدّ الحاج عبد اللطيف بن شقرون من رواد التصوير التلفزيوني بالمغرب، خصوصاً في مجال الأخبار، حيث أسهم في ترسيخ قواعد الممارسة المهنية للصورة الإخبارية في زمن كانت فيه اللقطة تُقاس بميزان الدقة والمسؤولية. لم يكن مجرد منفّذ للتعليمات التحريرية، بل فاعلاً أساسياً في بناء الخبر بصرياً، واعياً بأن الصورة الإخبارية ليست حيادية تماماً، بل محكومة بأخلاقيات صارمة وبوعي عميق بسياقها السياسي والاجتماعي. بهذا المعنى، شكّل بن شقرون هَرَماً من أهرامات المهنة، ومرجعاً غير مُعلن لأجيال من المصورين الذين تعلّموا منه، مباشرة أو عبر أثره المهني المتراكم، معنى الانضباط والالتزام.
من وراء العدسة، عايش أهم التحولات التي عرفها المغرب سياسياً واقتصادياً وثقافياً. صوّر لحظات مفصلية من تاريخ البلاد في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، ثم واصل أداء رسالته في عهد الملك محمد السادس، شاهداً على انتقالات كبرى لم تكن دائماً سهلة، لكنها كانت حافلة بالدلالات. لم يكن ناقلاً للحدث فحسب، بل شريكاً في صياغته بصرياً، يختار الزاوية والتوقيت والإيقاع، مدركاً أن الصورة قد تختصر ما تعجز عنه اللغة.
ضمن مقاربة سوسيو-إعلامية، يمكن النظر إلى مسار الحاج عبد اللطيف بن شقرون باعتباره تجسيداً للمصور الذي تشكّلت هويته المهنية داخل مؤسسة عمومية قوية الرمزية، حيث كان التلفزيون فضاءً لإنتاج المعنى الجماعي وبناء الثقة مع المجتمع. جيلٌ آمن بأن الإعلام العمومي ليس منصة للنجومية الفردية، بل ورشة جماعية تُخضع الفرد لمنطق الخدمة العامة، وتمنح الصورة وظيفة تربوية وتوثيقية في الآن نفسه.
عايش بن شقرون التحولات العميقة التي عرفها الإعلام السمعي البصري بالمغرب ؛ من زمن الشريط واللقطة النادرة إلى زمن الرقمنة وتكاثر الشاشات وتسارع الإيقاع. رأى كيف تغيّرت علاقة المصوّر بالكاميرا، وكيف تحوّلت الصورة من فعل تأملي إلى منتوج سريع الاستهلاك. ومع ذلك، ظل وفياً لمدرسته الأولى؛ مدرسة الإتقان، واحترام المشاهد، والإيمان بأن كل لقطة إخبارية تحمل مسؤولية أخلاقية مضاعفة.
الحاج عبد اللطيف بن شقرون ليس مجرد تقني مخضرم، بل فنان مبدع له رؤية خاصة، يقرأ الواقع بعين جمالية هادئة، ويُلبس الخبر أناقة بصرية تنسجم مع خطورته الرمزية. أناقته لم تكن مظهراً فقط، بل سلوكاً مهنياً: في الانضباط، في العلاقة مع الزملاء، وفي الإخلاص للمهنة حتى آخر يوم قبل الإحالة على التقاعد. إخلاصٌ جعله اسماً يحظى بالاحترام الصامت داخل المؤسسة، من أولئك الذين يصنعون التاريخ المهني دون ضجيج.
في زمن تتسارع فيه الصور وتضعف فيه الذاكرة المهنية، يظل بورتريه الحاج عبد اللطيف بن شقرون تذكيراً ضرورياً بأن للإعلام وجهاً آخر وجه الرواد الذين أسّسوا للصورة الإخبارية بالمغرب، وحملوا الكاميرا باعتبارها أمانة وطنية. إنه هرم من أهرامات المهنة، وذاكرة حيّة لزمن جميل كانت فيه الصورة تُصنع بوعي، وتُؤدّى بإخلاص، وتُحفظ في وجدان الوطن قبل أرشيفه.
.

