كزيتونة في بهوِ استوديوهات عين الشق… عائشة مصباح، جذور المهنة وثمار الأخلاق
كتب / أحمد أكلكيم
في الواجهة الأمامية للمحطة الجهوية للإذاعة والتلفزة بعين الشق, الدار البيضاء، لا تبدو الصورة مجرد لحظة عابرة لغرس شجرة زيتون؛ إنها فعل رمزي مكتمل الدلالة. المكان هنا ليس فضاءً طبيعياً محايداً، بل حقلٌ مهنيٌّ تتقاطع فيه الذاكرة الإعلامية مع الفعل الجماعي، وتتحول فيه المبادرة البسيطة إلى خطاب بصري حول الانتماء والاستمرارية.
في قلب الصورة، تقف الحاجة عائشة مصباح، قيدومة الصحافيات والصحافيين بالمحطة، وهي تبتسم ابتسامة هادئة تشبه طمأنينة الزيتون في أرضه. خلفها الزملاء محمد العباسي ، محمد الدلالي و أحمد أكلكيم ،يحيطون بالفعل، بعضهم ينحني نحو الشتلة، وبعضهم يسند المشهد بحضوره. تتوزع الأجساد حول الغرسة كما تتوزع الأدوار داخل محطة عين الشق: تكامل، تضامن، وإيمان بفكرة العمل المشترك.
شجرة الزيتون في الثقافة المغربية ليست مجرد نبات؛ إنها رمز للبركة، وطول العمر، والصبر على تقلبات المناخ. جذورها عميقة، لا تستعجل الثمر، لكنها حين تعطي، تعطي بسخاء واستمرارية.
بهذا المعنى، يصبح اختيار الزيتون فعلا واعيا ،حتى وإن بدا عفويا ، فهو يعكس صورة ، المرحومة،الزميلة عائشة مصباح في الذاكرة المهنية للمحطة.
كانت مهنية بامتياز؛ جذورها في أخلاقيات المهنة راسخة لا تهزها العواصف. صبرها في أداء الواجب المهني، وتحملها لضغط العمل، وتضحياتها في سبيل إنجاز الرسالة الإعلامية، كلها سمات تشبه بطء نمو الزيتونة وثباتها. لا استعجال في الحضور، بل رسوخٌ هادئ يُراكم أثره مع الزمن.
الخلفية الزمكانية ،ذات فصل ربيع ( ورش بيئي )ضمن سياق مؤسساتي واضح. نحن داخل فضاء إعلامي عمومي له تاريخه وسياقه الاجتماعي. وغرس الزيتون في هذا الفضاء يُحوّل المكان من مجرد مقر عمل إلى حقل ذاكرة.
في المقاربة السوسيو-إعلامية، يمكن قراءة الفعل باعتباره “إنتاجاً للمعنى” داخل فضاء مهني: فالغرس هنا ليس بيئياً فقط، بل هو تثبيت رمزي لقيم الاستمرارية والعطاء داخل مؤسسة تُنتج الخطاب العمومي.
توزيع الأشخاص في الصورة يكشف عن اعتراف ضمني بمكانة عائشة مصباح. هي في مركز الحدث، فيما يشكل الزملاء دائرة دعم معنوي. لا توجد مظاهر رسمية أو بروتوكولية، بل بساطة تلقائية تعبّر عن علاقة إنسانية متينة داخل الجماعة المهنية.
وهنا تتجلى إحدى خصائص العمل الإعلامي الجهوي: قرب المسافة بين الزملاء، وتحول المؤسسة إلى عائلة رمزية تتقاسم الأفراح والواجبات.
اليوم، بعد أن غادرتنا الحاجة عائشة مصباح إلى دار البقاء، تغدو الصورة وثيقة ذاكرة. لم تعد فقط توثق لحظة غرس شجرة، بل تحولت إلى استعارة بصرية لمسار امرأة إعلامية جمعت بين المهنية العالية، والأخلاق الرفيعة، والصبر الجميل.
كما أن الزيتونة تعيش طويلاً بعد من غرسها، يبقى أثر عائشة مصباح في ذاكرة المحطة، وفي وجدان زملائها، وفي أخلاقيات جيل تعلّم منها معنى الالتزام.
هي زيتونة عين الشق…
جذورها في تربة المهنة،
ساقها في صبر العطاء،
وأغصانها في سماء الأخلاق.
اللهم في هذا الشهر الفضيل، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، نسألك يا واسع الفضل والإحسان أن تتغمّد روح أختنا وزميلتنا الحاجة عائشة مصباح بفيض رحمتك.
اللهم اجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، ونوّر مرقدها، وآنِس وحشتها، واجعل ما قدّمته من عمل مهني صادق، وما تحلّت به من أخلاق رفيعة وصبرٍ جميل، في ميزان حسناتها.
اللهم كما غرست الخير في قلوب زملائها، وامتدت جذورها في تربة المهنة عطاءً ووفاءً، فاغرسها في جناتك العليا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
اللهم اجعل رمضانها في جوارك أبهى وأرحم، وأبدلها دارًا خيرًا من دارها، وأهلًا خيرًا من أهلها، واجعل ذكراها الطيبة صدقةً جاريةً لها إلى يوم الدين.
دار بوعزة في فاتح شهر رمضان الأبرك ١٤٤٧,الموافق ليوم الخميس ١٩ فبراير2026

