كتب / حماد أكلكيم
تُعد شجرة الأركان إحدى المعجزات الطبيعية التي تميز المغرب، فهي ليست مجرد نبات ينمو في مناطق محدودة من البلاد، بل تمثل ثروة وطنية، وتراثا بيئيا وثقافيا واقتصاديا لا يُقدّر بثمن. إلا أن هذا الكنز الطبيعي أصبح اليوم مهدداً بشكل جدي، بفعل الاستنزاف البشري من جهة، وشبح الجفاف المتواصل من جهة أخرى.
موطن أصلي فريد ومميزات استثنائية
تنمو شجرة الأركان بشكل طبيعي في جنوب غرب المغرب، خاصة في مناطق سوس ماسة، حيث تنتشر على مساحة تقارب 800 ألف هكتار. وتُصنف ضمن التراث العالمي الإنساني من طرف اليونسكو، بالنظر إلى خصوصية النظام البيئي الذي تشكّله، والذي لا يوجد في أي مكان آخر في العالم.
وتتميّز هذه الشجرة بقدرتها الهائلة على مقاومة الظروف المناخية القاسية، فهي تعيش في بيئة شبه قاحلة وتساهم بشكل كبير في حماية التربة من التعرية، وتثبيت الرمال، والمحافظة على التوازن البيئي. كما تُستخرج من ثمارها زيت الأركان، الذي يُعد من أثمن الزيوت الطبيعية في العالم، ويُستعمل في مجالات التجميل والتغذية والطب التقليدي.
الجفاف وتراجع المياه الجوفية
غير أن التغيرات المناخية، وخاصة توالي سنوات الجفاف وانخفاض التساقطات المطرية، أضعف قدرة الشجرة على التجدد، وأثّر سلبا على مردودية الإنتاج، بل وأدى إلى انكماش المساحات المغطاة بها. كما أن تراجع منسوب المياه الجوفية زاد من صعوبة صمود هذه الشجرة أمام الظروف البيئية المتدهورة.
الاستنزاف البشري والرغبة في الربح السريع
يضاف إلى ذلك الاستغلال المفرط وغير المستدام للأركان، حيث يتم اقتلاع الأشجار بشكل غير قانوني، أو الضغط المفرط على الشجرة من أجل رفع الإنتاجية، دون احترام لدورات التجدد البيولوجي. كما أن الطلب المتزايد على زيت الأركان في الأسواق العالمية شجع على ممارسات تجارية تفتقر أحيانا إلى البعد البيئي والإنساني، ما يُعرض هذه الثروة لخطر الزوال التدريجي.
دعوة للتحرك الجماعي
إن المحافظة على شجرة الأركان مسؤولية جماعية تقتضي تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني والمواطنين. فكما أن هذه الشجرة كانت وما زالت مصدر عيش للعديد من الأسر القروية، ورافعة للتنمية المحلية، فإن حمايتها تتطلب سياسات واضحة للحد من الاستنزاف، وتشجيع الفلاحة البيئية، والحرص على تنمية الواحات البيولوجية عبر برامج التشجير والمواكبة العلمية.
كما ينبغي تعزيز الوعي بأهمية هذه الشجرة لدى الأجيال الصاعدة، من خلال إدماجها في المناهج التربوية، وتنظيم حملات إعلامية لتحسيس الرأي العام بدورها في تحقيق الأمن البيئي والاقتصادي.
في الختام، لنتذكر جميعاً أن شجرة الأركان ليست مجرد شجرة، بل رمز للصمود المغربي، وشهادة على قدرة الطبيعة على العطاء إذا ما تم احترامها. فهل نسمح باندثارها في صمت، أم نختار أن نكون صوتاً من أجل بقائها؟

