في مشهد مؤثر أثار موجة من التعاطف والجدل على حد سواء، ظهرت مهندسة مغربية شابة في مقطع مصوّر وهي تذرف الدموع وتحذّر من مخاطر استخدام التكنولوجيا المتقدمة في الحروب والنزاعات المسلحة. صرختها لم تكن فقط تعبيراً عن الألم الإنساني، بل كانت دعوة صريحة لإعادة النظر في أخلاقيات التكنولوجيا في زمن يتحول فيه الابتكار إلى سلاح مدمر.الحروب
تأتي هذه الصرخة في سياق تصاعد القلق العالمي من استخدام الذكاء الاصطناعي، الطائرات المسيّرة، والأنظمة الذاتية في النزاعات، حيث تحوّلت التكنولوجيا التي يفترض بها خدمة الإنسان إلى أدوات حرب تفتقر إلى أي بعد إنساني. فالخوارزميات لا تملك ضميراً، والذكاء الاصطناعي لا يشعر بالندم حين يُخطئ في تصنيف هدف مدني كهدف عسكري.
وقد أثارت المهندسة، من خلال كلماتها الصادقة، نقاشاً حاداً في الأوساط الأكاديمية والتقنية حول مسؤولية المهندس، والمبرمج، والمصمم، في توجيه استخدامات التكنولوجيا. هل يمكن فعلاً الحديث عن “حياد تكنولوجي” في عالم يُستخدم فيه الابتكار لتحديد الأهداف وقتلها عن بُعد؟
البنى التحتية الرقمية كعنصر في المعركة
لم تعد الحرب تقتصر على الميادين التقليدية، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي بكل تفاصيله. فالهجمات السيبرانية، والتشويش على شبكات الاتصالات، واختراق أنظمة الطاقة والمياه، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من استراتيجيات الحروب الحديثة.
وفي هذا السياق، تلعب البنى التحتية الرقمية دوراً حاسماً، سواء كأهداف رئيسية أو كوسائل للهيمنة والتحكم. فالدول التي تمتلك قدرة رقمية متقدمة تستطيع ليس فقط حماية نفسها، بل أيضاً شل قدرات خصومها دون إطلاق رصاصة واحدة.
كما أن تقنيات المراقبة، وتحديد المواقع الجغرافية (GPS)، والاتصالات المشفرة، باتت عناصر أساسية في عمليات التنسيق العسكري والاستخبارات. ويطرح هذا الواقع تساؤلاً آخر: هل تسير البنى الرقمية نحو أن تكون سلاحاً بحد ذاته، أم أنها بالفعل أصبحت كذلك؟
دور المهندس في زمن النزاعات: بين الصمت والمسؤولية
صرخة المهندسة المغربية سلطت الضوء على الفجوة الأخلاقية التي تزداد اتساعاً بين مطوري التكنولوجيا والنتائج الميدانية لاستخداماتها. كثير من المهندسين والعلماء يجدون أنفسهم في مفترق طرق: هل يجب عليهم الامتناع عن المشاركة في مشاريع عسكرية؟ أم عليهم السعي لتقييد استخدامات تكنولوجياتهم بما يضمن احترام الكرامة الإنسانية؟
وقد أطلقت منظمات ومبادرات عديدة نداءات لتطوير مواثيق شرف وأطر أخلاقية تلتزم بها الشركات والمهنيون، لا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة. لكن غياب إطار قانوني دولي صارم يفتح المجال أمام الاستخدام المفرط وغير الأخلاقي للتكنولوجيا في النزاعات.
قد لا تكون صرخة المهندسة المغربية الأولى، لكنها جاءت في زمن يشهد فيه العالم تقاطعاً حاداً بين الابتكار والدمار، بين التقدم العلمي والتراجع الأخلاقي. لقد فتحت باباً للنقاش الضروري حول من يملك زمام التكنولوجيا، ومن يقرر مصير استخدامها، ومن يتحمّل مسؤولية نتائجها.
ربما تكون تلك الصرخة بمثابة جرس إنذار. فحين يبكي المهندس على ما صنعته يداه، يكون الوقت قد حان لوقفة تأمل جماعية في معنى التقدم، وحدوده، ومسؤوليته.

