بقلم: سعيد ودغيري حسني
في ليلة السبت انحنت الرباط تحت ثقل أغنية
وفي قلب السويسي لم يكن الصوت صوت فنان بل هتاف جيل بأكمله
لم تأتِ الحناجر لتغني بل لتنتقم
لتفرغ داخلها وجعًا تراكم منذ أول صفعة في قسم
ومنذ أول وعود كاذبة في نشرة أخبار
ومنذ أول إحساس بأن لا أحد يسمع
من كل مدينة وقرية وممر ترابي تدفقوا
كأن الوطن كله اختزل تلك الليلة في ساحة واحدة
لا شعارات
لا رايات
لا زعيم سياسي
فقط صوت يصرخ:
“فين غادي بيا خوك؟”
وكأن السؤال موجَّه للأمة لا للأخ
للوطن لا للشارع
وليس هناك جواب
ليلة السويسي ليست مجرد حفلة بل علامة
تحول خطير في وعي المراهق المغربي
تحرّر من اللغة المهذبة
من المذياع الرسمي
من أناشيد المديح التي لا تشبههم
تحوّل من الوطن الرسمي إلى وطن بديل
يقيم في كلمات الراب
وفي صور الوشم
وفي أعين لا تريد أن تشرح
بل تريد فقط أن تُفهم
طوطو ليس مغنيًا
هو مرآة
عاكسة لوجه شعب لا يعترف بأنه موجوع
يقول:
“كابوني فالديسك طالع من لوترى”
ولا أحد يسأله ما معنى هذا
لأن الكل فهم
فهموا أن الصعود صار مثل اليانصيب
وأنك إن لم تكن مجرمًا رمزيًا لن يسمعك أحد
يقول:
“عارف الزنقة غدارة ولكن أنا زدت فوسطها”
وكأن كل من في الحفل وُلد في نفس اللحظة
نفس الحي
نفس الجرح
وكأن طوطو بصوته يعيد لهم سردية الولادة
ولكن هذه المرة بدون مستشفى
بدون رقم بطاقة
بدون أب
في تلك الليلة لم تعد الرباط عاصمة
بل صارت رقعة لا مركز لها
مدينة بلا حاكم
بلا مؤسسات
الوحيد الذي نال شرعية الحضور هو من قال الكلام كما هو
دون تزيين
دون اعتذار
الأحزاب لم تكن هناك
وإن حضرت فقد حضرت مرتبكة
غريبة
خائفة من جمهور يرى فيها مومياء
ويرى في طوطو مستقبلًا
ولو كان مظلمًا
لم تكن الهتافات فقط حبًا في فنان
بل تمردًا على الأب
على الأستاذ
على الإمام
على الزعيم
على الخطاب الوطني الذي فقد معناه
سقطت السياسة كما يسقط الهاتف في الماء
تجمدت شاشتها
وامّحت إشعاراتها
ولم تجد من ينقذها
ما جرى في تلك الليلة هو تعرية حقيقية لما تبقى من الواجهة
من دولة لا تعرف لغات أولادها
من أحزاب تقرأ الصحف ولا تقرأ العيون
من مثقفين لا يسمعون سوى صوتهم
الراب ليس فنًا عند هؤلاء
هو علاج
هو لغة شعبية لعالم بلا عدالة
هو خريطة هروب من الوطن نحو الوطن
أو ما تبقى منه
زبدة القول
الذين حضروا حفلة طوطو لم يكونوا فقط مستمعين بل شهود مرحلة
مرحلة تنكسر فيها المؤسسات أمام تطبيق إنستغرام
ويُنسى فيها اسم الوزير ويُحفظ فيها كل بيت من أغنية
وتضيع فيها الأحزاب في الزحام
لأنها لم تكن تملك لا البوصلة ولا العنوان
إذا لم نفهم هذا الطوفان
فسنغرق فيه مرة أخرى
وسيخرج جيل جديد
يصرخ:
“ماشي وليدكم وماشي ديالكم”
ولن نملك حتى حق الرد

