Le212news.ma
تغيّب الملياردير الأمريكي إيلون ماسك عن جلسة استماع في باريس الإثنين لاستجوابه في إطار تحقيق حول انحرافات محتملة لشبكته الاجتماعية إكس، فيما شددت النيابة العامة على أن التحقيقات مستمرة. وكانت منصة إكس قد نددت بالإجراءات الفرنسية ووصفتها بأنها “مسيسة”. واعتبرت أن الادعاءات التي استندت إليها المداهمة “لا أساس لها”، نافية بشدة “ارتكاب أي مخالفة
في مشهد يعكس تحولات عميقة في علاقة الدول بالفاعلين الرقميين الكبار، فجّرت الدعوى القضائية التي رفعتها الدولة الفرنسية ضد رجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك ومنصته “إكس” (X) نقاشًا واسعًا حول حدود حرية التعبير، ومسؤولية المنصات، وضرورة حماية الفئات الهشة، وعلى رأسها الأطفال، في الفضاء الرقمي. فالقضية، التي ترتبط بنشر محتويات إباحية يُشتبه في استغلالها للأطفال، لا تندرج فقط ضمن إطار قانوني صرف، بل تحمل أبعادًا سوسيو-إعلامية تعكس صراعًا متناميًا بين منطق الدولة ومنطق السوق الرقمي العابر للحدود.
منذ سنوات، تبنّت فرنسا مقاربة استباقية في مجال حماية الأطفال والمراهقين من مخاطر الإنترنت، سواء تعلق الأمر بالمحتويات العنيفة أو الإباحية أو حتى بتداعيات الذكاء الاصطناعي. فقد سارعت إلى سنّ قوانين تُلزم المنصات الرقمية بتشديد المراقبة على المحتوى، وتعزيز آليات التبليغ والحذف، مع فرض عقوبات صارمة في حال الإخلال بهذه الالتزامات. ويأتي هذا التوجه في سياق أوروبي أوسع يسعى إلى إعادة ضبط الفضاء الرقمي، كما هو الحال مع “قانون الخدمات الرقمية” (DSA)، الذي يفرض على الشركات التكنولوجية الكبرى مسؤوليات غير مسبوقة.
غير أن هذه الدعوى تطرح سؤالًا جوهريًا: هل تستطيع الدول الوطنية فرض سيادتها القانونية على منصات رقمية عابرة للحدود يقودها رجال أعمال يتمتعون بنفوذ اقتصادي وإعلامي هائل؟ إيلون ماسك، الذي قدّم نفسه منذ استحواذه على منصة “تويتر” (التي تحولت لاحقًا إلى “إكس”) كمدافع عن “حرية التعبير المطلقة”، يجد نفسه اليوم في مواجهة مباشرة مع دولة تعتبر أن هذه الحرية لا يمكن أن تكون على حساب حماية الطفولة وكرامة الإنسان.
في المقابل، تكشف هذه القضية عن تحوّل في طبيعة الفاعلين في المجال الإعلامي. فلم تعد وسائل الإعلام التقليدية وحدها من يصنع الأجندة العامة، بل أصبحت المنصات الرقمية، بخوارزمياتها المعقدة، فاعلًا مركزيًا في تشكيل الرأي العام وتوجيهه. وهذا التحول يفرض إعادة التفكير في مفاهيم المسؤولية الإعلامية، التي لم تعد حكرًا على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، بل امتدت لتشمل مالكي المنصات ومطوري الخوارزميات.
سوسيو-إعلاميًا، يمكن قراءة هذه الدعوى باعتبارها لحظة كاشفة للتوتر بين قيمتين أساسيتين: حرية التعبير من جهة، وحماية المجتمع من الانحرافات الرقمية من جهة أخرى. فبينما يدافع البعض عن ضرورة الحفاظ على فضاء رقمي مفتوح وغير خاضع للرقابة الصارمة، يرى آخرون أن غياب الضوابط يفتح الباب أمام انتهاكات خطيرة، خاصة عندما يتعلق الأمر باستغلال الأطفال.
كما تطرح القضية إشكالية “أخلاقيات الذكاء الاصطناعي”، حيث باتت التقنيات الحديثة قادرة على إنتاج وترويج محتويات مزيفة أو ضارة بشكل يصعب تتبعه أو التحكم فيه. وهو ما دفع فرنسا، ومعها عدد من الدول الأوروبية، إلى التفكير في أطر قانونية جديدة تنظم استخدام هذه التكنولوجيا، وتحدّ من مخاطرها على الفئات الهشة.
في المحصلة، لا تبدو هذه الدعوى مجرد نزاع قضائي بين دولة ورجل أعمال، بل هي عنوان لمرحلة جديدة من إعادة التوازن بين السلطة السياسية والسلطة الرقمية. مرحلة تحاول فيها الدول استعادة زمام المبادرة، ووضع حدود واضحة لنفوذ المنصات، بما يضمن حماية الأفراد، خاصة الأطفال، دون المساس بجوهر الحريات الأساسية.
إنها معركة مفتوحة على أكثر من جبهة: قانونية، إعلامية، وأخلاقية. ونتائجها لن تحدد فقط مستقبل العلاقة بين فرنسا ومنصة “إكس”، بل قد ترسم ملامح النظام الرقمي العالمي في السنوات القادمة.

