يحلّ اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة ،والمغرب مثل غيره من الدول، يجدّد التزامه بمحاربة كل أشكال الاعتداء التي تطال النساء، وفي مقدمتها العنف الزوجي. ورغم ما تحقق من تقدم تشريعي ومؤسسي خلال العقدين الأخيرين، وما أقرّه المشرّع المغربي من ضمانات قانونية، خصوصاً مع اعتماد القانون 103.13 ، الدي يهدف إلى توفير الحماية القانونية للنساء ضحايا العنف، من خلال أربعة أبعاد، تهدف إلى ضمان الوقاية والحماية وعدم الإفلات من العقاب والتكفل الجيد بالضحايا. ، لكن الواقع يؤكد أن الطريق نحو مجتمع خالٍ من العنف ما يزال طويلاً وشاقاً. فالفجوة الفاصلة بين القوانين وتطبيقها، إضافة إلى ضغط السياق الاجتماعي وثقل الأعراف، تظلّ عوامل رئيسية تحول دون حماية الضحايا وتمكينهن من حقوقهن كاملة.
قوانين متقدمة… وواقع لا يعكس طموح التشريع
في المغرب كما في بلدان العالم تخلّد المؤسسات والهيآت المدنية هذا اليوم العالمي عبر حملات تحسيسية وجلسات استماع وأنشطة للتوعية. لكن هذه المبادرات، على أهميتها، تصطدم بحقيقة مقلقة كون العديد من النساء ما زلن غير قادرات على التبليغ عن العنف الذي يعانينه داخل فضاءات يُفترض أن تكون آمنة—المنازل.
ورغم وجود بنود قانونية واضحة تُجرّم العنف الجسدي والنفسي والاقتصادي والجنسي، وتفرض تدابير حمائية عاجلة كتحديد مسافة الأمان والإيواء المؤقت، إلا أن التطبيق على الأرض لا يزال غير متكافئ. فبعض المؤسسات تفتقر للتكوين في مقاربة النوع، وبعض الضحايا يتعرضن لضغط “الصلح” أو يعانين من بطء المساطر، ما يؤدي إلى التراجع عن الشكايات أو التعايش مع الوضع تحت إكراهات اجتماعية واقتصادية.
العنف كنتاج لبنية مجتمعية ما زالت تُعيد إنتاج اللامساواة
من وجهة نظر سوسيولوجيا النوع، لا يمكن فهم العنف ضد المرأة باعتباره فقط سلوكاً فردياً، بل هو نتيجة بنية اجتماعية ما زالت ترتكز على علاقات سلطة غير متوازنة بين الرجل والمرأة. فتمثّلات الذكورية، والاعتقاد بأن للرجل “سلطة الضبط” داخل الأسرة، تضفي على العنف شرعية ضمنية في بعض الأوساط.
هناك ايضا عوامل أخرى تزيد من تعقيد المشهد كالخوف من الوصم الاجتماعي الذي يمنع كثيراً من النساء من طلب المساواة و التبعية الاقتصادية وغياب بدائل عملية لدى العديد من الضحايا استمرار خطاب مجتمعي يحمّل المرأة جزءاً من مسؤولية العنف الممارس عليها.هذه المنظومة من الأفكار والممارسات تجعل العنف ظاهرة مستمرة رغم القوانين، وتعيق أي محاولة لاقتلاعها من جذورها.
اليوم العالمي… لحظة للتقييم وإعادة التفكير
يشكل 25 نونبر من كل سنة مناسبة عالمية لإعادة تقييم السياسات العمومية وبرامج الوقاية والحماية. فالقانون وحده لا يصنع التغيير، إذا لم يرافقه: العمل على تعزيز التربية على المساواة داخل الأسرة والمدرسة و وضع خطط جريئة لإعادة تكوين المهنيين في الشرطة والقضاء والصحة على مقاربة النوع. و لعل ذلك لن يتأتى الا بموازاة مع تقوية شروط التمكين الاقتصادي للنساء ليصبحن قادرات على اتخاذ القرار بعيداً عن الخوف والارتها توفير مسارات آمنة وسريعة للإنصاف تراعي الوضع النفسي والاجتماعي للضحاي مع ضرورة الاهتمام الكبير بتدريس مناهج سوسيولوجيا النوع و اعتمادها في تشجيع البحث العلمي لفهم تحولات الظاهرة في ظل الرقمنة والعولمة وأنماط الحياة الجديد
خلاصة: الوعي وحده لا يكفي… المطلوب تغيير عميق
إن تخليد المغرب لليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة يجب ألا يتحول إلى مجرد حدث تقويمي، بل إلى لحظة لإعلان إرادة مجتمعية جماعية لردم الهوة بين النصوص القانونية وواقع الممارسات. فحماية المرأة ليست فقط حقاً دستورياً وتشريعياً، بل رهاناً مجتمعياً على العدالة والكرامة والتنمية البشرية.
ولا يمكن أن يكون هناك تقدم حقيقي من دون تمكين النساء المعنفات، وضمان ألا تكون بيوتهن—المكان الذي يُفترض أنه الأكثر أمناً—مسرحاً لصمتٍ مفروض أو عنفٍ مبرَّر تحت ضغط الأعراف.

