دبي : بقلم الكاتب سعيد ودغيري حسني
في زوايا المسارح حيث تتداخل الأضواء بالظلال وحيث يمتزج النص بالأداء هناك عينٌ ناقدةٌ لا تكتفي بالمشاهدة بل تنصتُ إلى نبض الخشبة تفتّشُ عن مكامن الجمال وتكشفُ عن تفاصيل تُرى بالحدس أكثر مما تُرى بالعين. إنها عين الناقد المسرحي المغربي أحمد طنيش، الذي لا يمرُّ على العروض كعابر سبيل، بل يغوصُ في أعماقها منتزعًا منها جوهرها ليعيد تقديمها بقراءة نقدية تُضيء المشهد المسرحي العربي.
عندما انعقدت الدورة الخامسة عشرة من مهرجان المسرح العربي بمسقط سلطنة عمان كان المغرب حاضرًا ليس فقط بعروضه وإبداعاته المسرحية بل أيضًا بأقلامه الناقدة وفي مقدمتها أحمد طنيش الذي لم يكتفِ بالمشاركة كإعلامي وناقد بل مثّل جسرًا بين التجربة المسرحية المغربية والمشهد المسرحي العربي الأوسع.

سلطنة عمان”، أهمية هذا الحدث كمنصةٍ تعزز الحوار بين المبدعين العرب ومجالٍ لتلاقح التجارب المسرحية المختلفة مشيرًا إلى الدور الريادي الذي تلعبه الهيئة العربية للمسرح في دعم هذا المشروع الثقافي الطموح. كما ناقش في مقالٍ آخر بعنوان “المسرح والذكاء الاصطناعي بين صراع السيطرة وثورة الإبداع الإنساني” التحديات التي يواجهها المسرح في ظل التحولات الرقمية مؤكدًا أن المسرح سيظل فنًا قائمًا على التفاعل الإنساني حتى في زمن التكنولوجيا الذكية.
لم يكن لمهرجان المسرح العربي أن يحقق هذا الزخم لولا الجهود الكبيرة التي تبذلها الهيئة العربية للمسرح التي تتخذ من الشارقة مقرًا لها بدعمٍ ورعايةٍ من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة. منذ تأسيسها حملت الهيئة على عاتقها مسؤولية النهوض بالمسرح العربي من خلال دعم الفرق المسرحية تنظيم المهرجانات إصدار الدراسات النقدية وتشجيع الإنتاج المسرحي الجاد.
يرأس الهيئة إسماعيل عبد الله الذي يشرف على مختلف مشاريعها الثقافية مستندًا إلى رؤيةٍ واضحة مفادها أن المسرح ليس مجرد وسيلة للفرجة بل قوة فاعلة في تشكيل وعي المجتمعات وتجسيد هويتها الثقافية. ومن خلال أنشطتها الممتدة عبر العالم العربي أصبحت الهيئة منبرًا يجمع الفنانين ويؤسس لحوارٍ دائم بين الأجيال المسرحية المختلفة.

إسماعيل عبد الله رئيس مجلس الأمناء الأمين العام للهيئة العربية للمسرح الذي يواصل السير في خطى المؤسس صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة الذي كرّس نفسه لحلم المسرح العربي وأصبح هذا الحلم واقعًا يضيء المشهد الثقافي العربي من الشارقة إلى باقي الأقطار. فبفضل رعايته اللامحدودة أصبح المسرح العربي يشهد نماءً حقيقيًا وتفاعلًا مستمرًا بين الإبداع والنقد.
إسماعيل عبد الله الذي يحمل عبء هذه المسؤولية بكل أمانة واحتراف ليس مجرد أسمٍ إداري بل هو قاصدٌ في صرح المسرح العربي يبني الجسور بين الفنون والمجتمعات ويحرص على تعزيز الروابط بين الأجيال. فهو بعمله الدؤوب في الهيئة يسير بخطى ثابتة نحو الارتقاء بهذا الفن العريق لينقش بصمته في تاريخ الثقافة المسرحية العربية. له منا كل الشكر والامتنان ولحاكم الشارقة الذي ما بخل بدعمه وتوجيهه فهما معًا جعلوا من المسرح العربي قبلة للإبداع والمبدعين.
لا يُمارس أحمد طنيش النقد المسرحي بمنطق المُحاكمة بل يتعامل معه كفنٍّ موازٍ يستنطق العروض ويفتح لها أفقًا جديدًا. فهو يُحدّقُ في المشهد المسرحي كمن يقرأُ لوحةً مشبعةً بالرموزِ لا يُغفلُ حركةً ولا همسةً إذ يؤمنُ أنَّ المسرحَ ليسَ مجردَ عرضٍ للفرجةِ بل خطابٌ يُحاورُ الوجدانَ قبلَ أن يخاطبَ الفكرَ.
وبينما تتسارع التحولات في العالم العربي يظل المسرح أحد أصدق مرآة تعكس واقع المجتمعات وتحاور أسئلتها الكبرى وهذا ما يدركه أحمد طنيش بعمق فيحرص على أن يكون نقده جسراً بين النص والخشبة وبين الفنان والجمهور وبين المغرب والمسرح العربي.
زبدة القول
تجسّدت مشاركة أحمد طنيش في مهرجان المسرح العربي بمسقط كحلقة وصل بين التجربة المسرحية المغربية ونظيراتها العربية حيث لم يكتفِ بأن يكون عينًا ناقدةً بل كان صوتًا مغربيًّا حاضرًا في قلب المشهد المسرحي العربي. مسيرةٌ مثل مسيرته لا تُقاس فقط بعدد المقالات بل بمدى تأثيرها في تشكيل الوعي المسرحي وترسيخ الحوار بين التجارب الفنية المتنوعة. وكما أن المسرح لا يكتمل إلا بممثليه فإن النقد لا يكتمل إلا بفرسان وطنيش واحدٌ من هؤلاء الذين يُنصتون لنبض الخشبة ثم يكتبون بلغة الضوء والظل..

