نيويورك / عبد الكريم مومن
تعتبر قصة كارلوس غصن مثالاً كلاسيكياً على ما يحدث عندما تصطدم الأهداف الاقتصادية الشخصية بالمصالح الوطنية المعقدة. لم يكن غصن مجرد مدير تنفيذي، بل كان أسداً تمكن من إعادة إحياء صناعة السيارات، لكنه سقط في النهاية ضحية صراع فيلين عملاقين: رينو (رمز فرنسا) ونيسان (رمز اليابان).
الجزء الأول: بداية الصراع
كان تحالف رينو-نيسان، الذي أنشأه غصن بنفسه، بمثابة نموذج للتعاون الناجح. لكن هذا النجاح ذاته هو ما زرع بذور الصراع.
توازن القوة المختل:
نيسان: تحت قيادة غصن، تحولت من شركة على حافة الإفلاس إلى قوة عالمية. أصبحت قيمتها السوقية أكبر من رينو، وتفوقت عليها في التكنولوجيا والأرباح.
رينو: على الرغم من تفوق نيسان، كانت رينو لا تزال تمتلك 43.4% من أسهم نيسان، مع حقوق تصويت كاملة. في المقابل، كانت نيسان تمتلك 15% فقط من رينو، ودون حقوق تصويت.
الحكومة الفرنسية: تمتلك حصة في رينو، وكانت تستخدم نفوذها لضمان أن تبقى رينو في مركز السيطرة على التحالف.
هذا التوازن غير المتكافئ خلق استياءً عميقاً داخل نيسان. اليابانيون شعروا أنهم يقدمون الابتكار والأرباح، بينما تسيطر عليهم رينو.
الجزء الثاني: تصاعد الأزمة وخطة الاندماج
في عام 2018، قرر غصن أن الوقت قد حان لتوحيد التحالف بشكل رسمي من خلال دمج كامل للشركتين. اعتقد أن هذا سيوفر مليارات الدولارات ويجعل التحالف أكثر تنافسية عالمياً.
رد فعل الفيل الفرنسي (رينو/فرنسا): الحكومة الفرنسية دعمت خطة الاندماج لأنها كانت ستضمن سيطرتها الدائمة على الكيان الجديد.
رد فعل الفيل الياباني (نيسان/اليابان): اليابانيون كانوا يخشون الاندماج. بالنسبة لهم، كانت نيسان رمزاً وطنياً، والاندماج كان يعني فقدان السيطرة عليها لصالح شركة فرنسية. لقد اعتبروه بمثابة ( غزو) أجنبي.
أدرك غصن أن عليه كسر المقاومة اليابانية، لكنه لم يدرك أن هذا الموقف كان خطراً عليه شخصياً رغم أنه كان مدرك أن الوضع تحث السيطرة، لذلك عند دهابه لليابان كان غرضه شرح الخطة لكن ربما غفل أن الثقافة اليابانية أبعد بكثير من الربح المالي بل كانت الرمز الوطني.
الجزء الثالث: الوشاية والاعتقال
في هذا السياق المتوتر، بدأ ( الانقلاب) على غصن.
الوشاية الداخلية: قادت مجموعة من المديرين التنفيذيين داخل نيسان، وعلى رأسهم هيروتو سايكاوا (خلف غصن لاحقًا كرئيس لنيسان)، تحقيقًا سريًا ضد غصن. لقد استخدموا مساعده غريغ كيلي كشاهد رئيسي.
الأدلة المزعومة: ركز التحقيق على تهمتين رئيسيتين:
عدم الإفصاح عن تعويضات مؤجلة: زُعم أن غصن لم يكشف عن تعويضات تقدر بنحو 90 مليون دولار كان سيحصل عليها بعد تقاعده. دافع غصن بأنها كانت مجرد خطة لم يتم تنفيذها.
إساءة استخدام أموال الشركة: تضمنت التهم استخدام مساكن تابعة للشركة في البرازيل ولبنان، وطائرة خاصة وهي امتيازات كان يرى أنها جزء من منصبه.
في 19 نوفمبر 2018، تم اعتقال غصن فور هبوط طائرته في مطار طوكيو. بالنسبة للكثيرين، كان هذا الاعتقال بمثابة ذريعة لإزاحة ( العدو) ومنع خطة الاندماج. لقد كانت وسيلة دبلوماسية للسيطرة على الأزمة.
الجزء الرابع: الهروب الكبير
بعد أكثر من عام من الاعتقال والإقامة الجبرية، أدرك غصن أنه لن يحصل على محاكمة عادلة في اليابان خصوصا وأن القضاء الياباني تحوم حوله شكوك كبيرة خصوصا مسألة لا حرية ولا إتهام.
خطة الهروب: تيقن غصن بأنه لن ينجو بجلده أبدا وسوف يلقى مصيره معلقا وربما يتم نسيانه في وضع لا متهم ولا حر، لذلك خطط غصن لهروبه بمساعدة خبراء أمنيين، حيث تسلل من منزله، وتوجه إلى مطار خاص في أوساكا.
الصندوق الأسود: تم تهريبه من المطار داخل صندوق آلة موسيقية كبيرة.
الوجهة: هرب إلى لبنان، الذي لا يوجد لديه اتفاقية تسليم مجرمين مع اليابان.
بهروبه، أنهى غصن الفصل الأخير من قصة صراع الفيلين. لقد نجح في التحرر من قبضة اليابانيين، لكنه ترك خلفه تحالفاً مهزوزاً، وقضية معقدة لا تزال تثير الجدل حول العالم.

