كتب / أحمد أكلكيم
انطلقت مساء امس السبت فعاليات الدورة الأولى للمهرجان الوطني لفن إيقاعات لوناسة الذي تنظمه جمعية “التراث الثقافي والفني” بجماعة سيدي دحمان (إقليم تارودانت)، يومي 26 و27 يوليوز الجاري تحت شعار ،”فن لوناسة عمق التراث الوطني الأصيل” وذلك بأحد الفضاءات بالجماعة الترابية سيدي دحمان .
و تسعى هذه التظاهرة الثقافية المنظمة بدعم من وزارة الشباب و الثقافة و التواصل و بشراكة مع جماعة سيدي دحمان و المجلس الإقليمي لتارودانت و جهة سوس ماسة اضافة إلى داعمين محليينه و وطنيين من القطاع الخاص ، إلى المساهمة في الجهود المبذولة والرامية إلى صيانة تراث لوناسة باعتباره أحد الفنون التراثية الذي تتميز به ، على الخصوص ، قبيلة أولاد يحيى باعتبارها رافدا مهما من روافد الموروث الثقافي بإقليم سوس.
من عمق الذاكرة الشعبية اليحياوية
في قلب الجنوب المغربي، و على ضفتي نهر سوس تنتشر قرى و مداشر قبيلة أولاد يحي حيث يعلو إيقاع “لوناسة” ليحكي قصة تراث توارثته الأجيال ووشم الذاكرة الجماعية لساكنة هذه القبيلة .
هذا الفن الشعبي، الذي يمزج بين الإيقاع والكلمة والفرجة الجماعية، لم يعد مجرد طقس احتفالي عابر، بل تحوّل اليوم إلى قيمة ثقافية واقتصادية مضافة يمكن أن تشكّل رافعة للتنمية المحلية وتسويق الهوية الترابية لاقليم تارودانت بصفة عامة .
ينحدر فن “لوناسة” اليحياوي إلى جانب ” الميزان الهواري ” من التقاليد الشفوية الراسخة لذى قبائل أولاد يحيى و هوارة و لمنابهة التي استوطنت ضفتي نهر سوس في الجنوب المغربي، حيث كان، ولا يزال، حاضراً بقوة في الأعراس والمواسم واللقاءات العائلية الكبرى.
ويتميز هذا الفن بطابعه الجماعي، حيث تتناغم فيه أصوات وتصفيقات الرجال على إيقاع البندير و أكوال و الناقوس ليصنعوا فرجة شعبية تتجاوز حدود المتعة إلى وظيفة اجتماعية توحّد وتربط بين أفراد المجتمع.
فالوناسة ، ليست مجرد موسيقى، بل هي تعبير عن الانتماء، وتوثيق حي للثقافة المحلية، من خلال كلماتها وأهازيجها التي تحمل مضامين الانتماء،الحب، الفخر، الذاكرة، وحتى النقد الاجتماعي أحيانًا.

الصورة من صفحة الاستاذ محمد المختار غليب
هوية ثقافية لا مادية
يُنظر إلى لوناسةر ،باعتبارها إحدى تعبيرات التراث غير المادي التي تمنح لإقليم تارودانت فرادة ثقافية مميزة. فهي تشكّل عنصراً من عناصر الهوية الجماعية التي تنبني على الذاكرة، واللغة، والملبس، والإيقاع المحلي. ويكمن غناها في قدرتها على التجدد والاندماج مع مختلف المناسبات، دون أن تفقد طابعها الأصيل.
هذا البعد الثقافي يجعل من اللوناسة رأسمالاً رمزياً يمكن استثماره في الحقل الثقافي والتنموي، خصوصاً في ظل الاهتمام المتزايد بالتراث المحلي كأحد مفاتيح التنمية المستدامة.
لوناسة كأداة للتنشيط الاقتصادي والسياحي
كما تتوفر لوناسة على مقومات تؤهلها لأن تكون ضمن العروض الفنية والسياحية المهيكلة. فمن خلال دمج هذا الفن في برامج المهرجانات المحلية أو إدراجه في عروض الفنادق البيئية والمنتجعات القروية، يمكن تحريك عجلة الاقتصاد الثقافي وخلق فرص عمل للفنانين الشعبيين، خاصة النساء اللواتي يشكلن العمود الفقري لهذا الفن.
وقد بدأت بعض المبادرات الشخصية الجمعيات المحلية في توثيق هذا التراث من خلال تنظيم عروض حية خلال المواسم السنوية التقليدية (الرمى)، في محاولة لرد الاعتبار لهذا الموروث وإعادة إحيائه في السياقات المعاصرة.

عنصر جاذبية لتسويق الإقليم
في عالم التسويق الترابي، تبرز أهمية العلامات الثقافية كمدخل لتعزيز صورة الأقاليم والجهات. وفي هذا السياق، يمكن لفن اللوناسة أن يتحول إلى عنصر جاذب يميز إقليم تارودانت عن باقي الوجهات، من خلال توظيفه في الحملات الترويجية، وتصميم منتجات ثقافية وسياحية تحمله كهوية بصرية وصوتية (مثل فيديوهات دعائية، ملصقات المهرجانات، عروض حية…).
إن إدماج لوناسة ضمن استراتيجية تسويق ترابي شاملة، إلى جانب مكونات أخرى مثل الزربية، زيت أركان، الليمون البلدي، والصناعة التقليدية، يمكن أن يسهم في بناء علامة ترابية مميزة للإقليم تستند إلى أصالة التراث وجاذبية الفنون الشعبية.
خاتمة: فن يقاوم النسيان ويصنع المستقبل
بين الماضي والحاضر، تظل لوناسة شاهدة على عبقرية الثقافة المحلية وقدرتها على التأقلم مع السياقات الجديدة. غير أن هذا التراث الشعبي يظل في حاجة إلى مزيد من الاعتراف والدعم المؤسساتي، حتى لا يتحول إلى مجرد ذكرى في الذاكرة الشفوية.
إن تحويل لوناسة إلى رافعة للتنمية المحلية لا يتطلب سوى وعي جماعي من مختلف الفاعلين، من منتخبين وجمعيات ومؤسسات ثقافية، بضرورة ربط الثقافة بالاقتصاد، والفرجة بالاستثمار، والتقاليد بالمستقبل.
فهل تتحول “لوناسة” من مجرد “نراث شعبي” إلى ماركة ثقافية تسوّق اقليم تارودانت للعالم؟
على كل حال هذاما يتمناه كل يحياوي روداني……..

