مقاربة سوسيو إعلامية
كتب: أحمد أكلكيم
مقدمة.
تعتبر وسائل الاعلام بمختلف أنواعها محركا أساسيا في تشكيل الوعي لدى اعداد كبيرة من افراد المجتمع بغض النظر عن مضمون الرسالة التي تحملها تلك الوسائل والموجهة الى جمهور مستهدف باعتباره المستقبل لتك الرسالة.
وقد تم وصف الاعلام مند زمن بكونه سلاح ذو حدين ان أحسنت استعماله ساعد على تحقيق الأهداف المتوخاة منه وان أسات الاستعمال تكون النتائج وخيمة.
فهو بذلك, اما أن يعمل على تقوية وترسيخ القيم والعادات السليمة لمجتمع ما, أو يساهم في هدمها كاملة ,كذك الشأن بالنسبة لمختلف مناحي حياة شعب ما, أكانت سياسية أم اقتصادية أم ثقافية.
كثيرا ما نسمع احكام قيمة مماثلة حول الاعلام غالبا ما تكون مستندة الى انطباعات تلقائية بعيدة كل البعد عن العلمية ,وهي تكون في مجملها احكاما سلبية كوصفه ب * التأثير السلبي على صحة العقول *…* التشجيع على نشر التفاهة *… * تسطيح الثقافة * …. الى غير ذلك .
اما الإيجابي من تلك الاحكام ,وعلى قلته نجد * الاعلام مكونا أساسيا في وعي الشعب *… * الدور الأساسي للإعلام في نشر ثقافة التسامح *.
ومن سوء حظ الاعلام, أن تنبعث من ذاتة حملات شرسة ساهمت الثورة التكنولوجية في مجال التواصل على الانتشار السريع لتلك الاحكام بعيدا عن أي افتحاص يستند الى أسس علمية ,الشيء الذي أدى الى احداث شروخ كبيرة في العلاقات التفاعلية بين الجمهور وسائل اعلامه ,وهي علاقات تستدعي بإلحاح التساؤل حول ماهية تمثلات هدا الجمهور لإعلامه ولأي مدى يستجيب لتطلعاته…؟
من هنا بدا علماء الاجتماع في العمل على دراسة العلاقة بين وسائل الاعلام الجماهيرية والمجتمع لرصد ملامحها وكشف ابعادها ومؤثراتها باللجوء الى مناهج بحثية ضمن فرع من فروع علم الاجتماع وهو علم الاجتماع الإعلامي الذي يعتبر حديث النشأة نسبيا ,تعود بداياته الى فثرة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
* علم الاجتماع الإعلامي، تعريفه، نشأته وسياقاته.
تشير العديد من الدراسات والأبحاث التي تناولت بالدرس نشأة علم الاجتماع الإعلامي وتطوره الى ان هذا الفرع من علم الاجتماع مر بثلاث مراحل أساسية في سياقه التاريخي.
المرحلة الأولى وتشمل بداية القرن العشرين حتى سنة 1927 حيث انتشر البث الإذاعي، الذي استخدم انداك قبل الحرب العالمية الثانية في أغراض سياسية تم تلتها مرحلة نضج البث الإذاعي وتهم الفترة ما بين 1927/1947 حيث أصبح للإذاعة الصوتية جمهورها العريض باعتبارها أداة للأعلام والدعاية السياسية بامتياز بعد ان كانت مقتصرة على بث الاخبار والموسيقى.
وقد شكلت هذه الفترة البدايات الأولى للدراسات والأبحاث لظواهر إعلامية اجتماعية مختلفة ، وتأتي المرحلة الثالثة والأخيرة في هذا السياق التاريخي مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية التي تميزت بظهور البث التلفزيوني كمنافس قوي وشرس.
* تعريف علم الاجتماع الإعلامي.
اما فيما يخص تعريف علم الاجتماع الإعلامي هناك اختلاف بين الباحثين والعلماء المهتمين ويجد هذا الاختلاف جدوره في وظيفة الاعلام ودوره في المجتمع.
هكذا نجد أن جورج فليب فريدمان1 عرف علم الاجتماع الإعلامي بعلم موضوعه دراسة التفاعلات القائمة بين المجتمع والجماعات التي تكونه من جهة وتقنيات الاتصال المختلفة من جهة أخرى.
كما نجد ان الباحثة الكندية ماكلويف2، الى جانب العديد من زملائها الغربيين, قدمت تعريفا لعلم الاجتماع الإعلامي من خلال حصر موضوعه في أهمية الوسائل الإعلامية التقنية وتأثيرها على الفرد حيث ذهبت الى ان ..المهم في هدا العلم هي وسائل الاعلام في حد ذاتها وليس مضمون الخطاب والرسالة التي تحملها.
وانطلاقا مما سبقت الإشارة اليه يمكن تعريف علم الاجتماع الإعلامي كونه فرع من فروع علم الاجتماع الذي يدرس وسائل الاعلام باعتبارها ظاهرة اجتماعية ,دراسة وصفية بمعنى دراسة الواقع الفعلي لتلك الوسائل ,أي دراسة ما هو كائن وليس ما ينبغي ان يكون.
* تعريف الجمهور الإعلامي.
يعتبر الجمهور الإعلامي الموضوع الرئيسي في البحوث والدراسات التي يقوم بها الباحثون والأكاديميون سواء داخل الجامعات او مراكز البحث العلمي التي تقوم بتدريس هدا الفرع من علم الاجتماع او الدين ينجزون بحوث ميدانية لفائدة جهة ما.
ولعل ما يميز هدا الموضوع كونه مجالا بحثيا جديدا مهما من جهة وأيضا ما يوفره من معطيات سوسيو ثقافية حول جمهور وسائل الاعلام من حيث معتقداته وآرائه وأنماط تفاعله تأثيرا وتأثرا باعتباره قارئا للصحف ورقية او الكترونية ومستمعا للبرامج الإذاعية ومشاهدا للبرامج التلفزيونية ومستخدما لوسائط التواصل الاجتماعي على تنوعها.
غير ان الخوض في مفهوم الجمهور من خلال سياقاته التاريخية والاجتماعية يستدعي فضاء أرحب ومع دلك نجد ان معظم التعريفات العلمية الحديثة ركزت في تحديد هدا المفهوم على المسارات الثقافية والاقتصادية والمعتقدات الدينة والتنشئة الاجتماعية والقيم المتوارثة.
* إشكالية الموضوع.
تتميز دراسة إشكالية تمثل الجمهور لاعلامه بالتداخل الواضح في مقارباتها العلمية واختلاف مفاهيمها حيث من الصعب ان نجد توافقا حولها بين الباحتين في علم الاجتماع بصفة عامة وعلم الاجتماع الإعلامي من جهة وعلماء السياسة من جهة أخرى.
ولعل ما يهمنا في هذا المقال هو مفهوم الجمهور الذي يتم استهدافه من قبل منتجي محتويات يروج لها عبر مختلف الحوامل الإعلامية بهدف كسب رضا ذلك الجمهور على اختلاف مشاربه وفئاته وتوجهاته.
لكن السؤال الجوهري الذي يستوجب طرحه هو ..هل النموذج الإعلامي المغربي, رسمي او شبه رسمي تقليدي ام جديد ,يتوفر على رؤية تتوافق ومعايير الخدمة الإعلامية التي يطمح اليها الجمهور المغربي من اخبار وتثقيف وترفيه وتوعية وبجودة عالية ؟.
الى أي مدى تستجيب وسائل الاعلام المغربية لتمثلات الجمهور المغربي لخدمة إعلامية ترسخ مبادئ التعددية والاندماج الاجتماعي؟
ما هو تمثل هذا الجمهور للوظيفة المجتمعية للصحفي المغربي…؟وماهي مكانة الصحفي داخل النسيج المجتمعي … ؟ما هو تمثل المجتمع المغربي لصحافته واعلامه اكان تقليديا ام عصريا؟.
* التحليل.
الإجابة عن هذه التساؤلات المحورية نجدها في النقاشات العمومية التي عرفتها الساحة الإعلامية لما تدخلت الدولة المغربية وأحدثت قانون 13/ 88 الخاص بالصحافة والنشر بهدف ضبط هدا المجال ,في وقت أصبح فيه مرتعا لكل الأقلام ومهنة من لا مهنة تنتج اعلاما لا علاقة له بأخلاقية الممارسة الصحفية ,جاعلا من الجمهور المغربي مادة دسمة يزوده بالأخبار الزائفة والوقائع الكاذبة التي تدعو الى احداث الفتن وتشويه سمعة الناس, مع الإشارة إلى أن المشهد الإعلامي المغربي كان و ما زال يزخر بأقلام حرة، تحترم الجمهور المغربي، وتشتغل في ظل أخلاقيات المهنة.
ان هذه الفوضى التي يعيشها المشهد الإعلامي المغربي ,وخاصة الالكتروني منه ,تتطلب إعادة النظر في تلك القوانين والتشريعات والإجراءات التي سبقت الإشارة اليها وذلك من اجل وضع تصور جديد لضبط الممارسة المهنية وتوفير بيئة سليمة لها, تمكن من قطع الطريق امام الممارسة الاسترزاقية وحماية الصحفيين المهنيين من التهديدات التي قد تؤدي الى بعض الانزلاقات في الممارسة السليمة .
ولعل هذا الامر يتطلب ايضا حماية المقاولة الاعلامية باعتبارها عنصرا اساسيا في اي اصلاح لإعلامنا الوطني الذي هو في حاجة ماسة إلى استراتيجية إعلامية واضحة المعالم لكي يلعب دوره الأساسي في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وعلى الدولة أيضا أن تضع مشروعا إصلاحيا دقيقا يضمن إقلاعا حقيقيا لهذا الحقل.
وفي هذا السياق تمت الدعوة إلى الانخراط في نقاش تفاعلي حول مشروع قانون تعديل البعض من فصول مدونة الصحافة والنشر الدي تستعد الحكومة لتنزيله تشريعيا.
ويتعلق الامر بهيئات مهنية ونقابية بشقيها الصحفي والناشر ومنظمات حقوقية وجهات أخرى وللانخراط في هدا الورش الإعلامي الدي ينتظر منه أن يسد الثغرات التي ابان عنها تنزيل المدونة الحالية.
لكن السؤال السوسيوإعلامي الذي بقي وسيبقى معلقا ما لم نأخذ بعين الاعتبار الجمهور كفاعل أساسي في العملية الإعلامية في ضوء التحولات الجدرية التي عرفتها عملية الاعلام والتواصل جراء الثورة التكنولوجة
* اين الجمهور الإعلامي من هذا الورش الإصلاحي حول إصلاح قوانين الصحافة والنشر…؟ الا تعنيه حرية الصحافة.. الا يعنيه كذلك تجويد المشهد الإعلامي ووضع حد للتفاهة التي يشكو منها؟
* خاتمة.
ان مفهوم الجمهور الإعلامي بخلفياته المفاهيمية التي شكلت موضوعا للعديد من الدراسات والبحوث كلها اثبتث علميا ان الجمهور يعتبر عنصرا اساسيا في اية عملية للتواصل باعتباره المستقبل للرسالة الإعلامية الصادرة عن مرسلها.
اذا ,كيف يمكن تجاهل هذا المكون مع العلم ان صورة واضحة لتمثل الجمهور لإعلامه قد تشكل قيمة مضافة لورش الإصلاح المرتقب؟.


