نيويورك / عبد الكريم مومن
في العقود الأخيرة، شهد الذكاء الاصطناعي (AI) تطوراً مذهلاً، حوّله من مجرد تقنية للحوسبة إلى شريك فعلي في اتخاذ القرارات، بل وأحياناً اتخاذها منفرداً بذكاء وسرعة تفوق قدرات البشر. هذه الرحلة بدأت من مرحلة التعلم الآلي (Machine Learning)، ومرت بمرحلة التعلم العميق (Deep Learning)، وصولاً إلى ما يمكن تسميته اليوم بـالذكاء التنبؤي القادر على اتخاذ القرار وتصحيح الأخطاء آنياً.
من التعلم الآلي إلى التعلم العميق
في بداية الطريق، كان التعلم الآلي يعتمد على تغذية الآلات ببيانات ضخمة لكي تتعلم أنماطاً معينة وتتوقع النتائج. على سبيل المثال، يمكن لنظام تعلم آلي أن يتعلم التفريق بين صور القطط والكلاب بعد مشاهدة آلاف الصور، لكن كيف يثم ذلك؟
تسمح للذكاء الاصطناعي بالدخول للمكتبات الرقمية وقراءة النصوص والصور، فمثلا يدخل لصفحة القطط فيقرأ هاته قطة، وبعد ذلك يتعرف بسرعة عالية على جميع انواع القطط ومميزاتها، ثم يتعرف على طبيعتها ومكان تواجدها وأكل وصحة وسلوك كل نوع… وهكذا بالنسبة لكل شيء موجود بالمكتبات او يثم تعليمه باستعمال لغات معينة.
لكن الطفرة الحقيقية جاءت مع التعلم العميق، وهي تقنية مستوحاة من بنية الدماغ البشري، تعتمد على ما يسمى “الشبكات العصبية العميقة”، وتُمكِّن الآلات من التعلم الذاتي من البيانات، وتحليل المعلومات في عدة طبقات لفهمها بشكل أعمق. هذه النقلة سمحت للآلات بفهم اللغة، التعرف على الوجوه، وحتى القيادة.
الذكاء الاصطناعي في قلب الحياة اليومية
- السيارة ذاتية القيادة
أبرز مثال على هذا التطور هو السيارات ذاتية القيادة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي ليس فقط لتحديد موقعها عبر الـGPS، بل أيضاً لقراءة إشارات المرور، التعرف على المشاة، وتوقع تصرفات السائقين الآخرين. فمثلاً، إذا لاحظت السيارة تباطؤاً مفاجئاً في السيارة التي أمامها، تتوقع إمكانية حدوث تصادم، وتقوم بتفعيل المكابح تلقائياً.
- الطائرة بقائد أوتوماتيكي
الذكاء الاصطناعي اليوم يدير طائرات بأكملها عبر أنظمة طيار آلي ذكية، تقوم باتخاذ قرارات آنية أثناء الطيران في حال تغير الظروف الجوية أو الطارئة دون تدخل بشري، بل وتستطيع التفاوض مع أنظمة الملاحة الأرضية لتغيير المسار.
توقع الأخطار وتصحيحها
ما يميز الذكاء الاصطناعي اليوم هو قدرته على استشراف المستقبل القريب. فهو لا ينتظر وقوع الخطأ، بل يتوقعه ويصححه فوراً، لكن كيف وصل لهاته المرحلة؟
تسمى هاته الثقنية: التعلم من الأخطاء، وذلك عبر نظام المكافئة والعقاب
Rewards and punishment
كيف؟ تأمر الذكاء وتعلمه قيادة السيارة ( القيادة الذاتية) فمثلا عندما يتوقف عند علامة قف التي تعلمها من قبل وعرف ماذا تعني، تعطيه زائد واحد +1
وعندما يمر أمام إشارة الضوء الأحمر لا يتوقف مثلا، هنا تعطيه -1 هنا يتعلم ان ذلك خطأ ولا يكرره مستقبلا من ذاته لأنه خزنه وبالتالي لا يحتاج توجيها بل سيتصرف من ذاته.
حسنا، مرت السيارة في الضوء الأخضر ( وهذا صحيح) لكن صدمت دمية على شكل طفل، هنا تعطيه -1 فالذكاء الاصطناعي سيتسائل لماذا؟ هنا توضح له معنى توقع الخطأ، إذن في المستقبل سيقرا ضمن خوارزميات معقدة توقع الأخطاء والاخطار وسوف يتخد القرار الصائب بمفرده.
- البنايات الذكية
في المدن الذكية، أصبحت العمارات تعرف ساكنيها، وتضبط الإضاءة والتدفئة وفق نمط حياتهم، وتراقب الحالة الهيكلية للبناء. بل في بعض النماذج المتقدمة، تستطيع البنايات تعديل شكلها أو درجة مرونتها للتخفيف من تأثير الزلازل، وتحذر الساكنين قبل وقوعها بلحظات، مما قد ينقذ الأرواح.
الصناعة والروبوتات الدقيقة
- تسيير المصانع بالأذرع الذكية
في قطاع التصنيع، أصبحت الأذرع الصناعية الذكية قادرة على تنفيذ مهام معقدة بدقة متناهية، مثل اللحام، التجميع، وحتى الفرز. ويمكن لهذه الأذرع اكتشاف المواد أو المنتجات المعيبة عبر تحليل بصري أو حراري وإزالتها من خط الإنتاج دون أي تدخل بشري.
الرعاية الصحية والمساعدة الشخصية
- الذكاء الاصطناعي في الطب
في المجال الطبي، يقوم الذكاء الاصطناعي بتشخيص الأمراض من صور الأشعة أو تحاليل الدم بدقة تضاهي الأطباء. وهناك أنظمة تعتمد على تحليل البيانات البيومترية للمريض للتنبؤ بالأزمات القلبية أو الجلطات قبل حدوثها.
- مساعدة ضعاف البصر
أما في مجال الإعاقة، فقد أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على أن تكون “عيوناً” لمن لا يرى، عبر نظارات ذكية تصف للشخص ما يراه أمامه: “يوجد حاجز أمامك”، “هل تريد تاكسي؟”، ثم تطلب منه رفع يده لأن التاكسي قادم وتشرح له أين الباب وكيفية الدخول.
نحو مستقبل تحكمه السرعة والذكاء
الذكاء الاصطناعي لم يعد فقط أداة، بل أصبح فاعلًا يشارك الإنسان في اتخاذ القرار. نحن أمام حقبة جديدة يُعاد فيها تعريف مفهوم الذكاء نفسه، ويُدمج العقل الإلكتروني في كل تفاصيل حياتنا، من المنزل إلى المصنع، ومن السيارة إلى غرفة العمليات.
المستقبل ليس بعيداً… بل هو الآن، والذكاء الاصطناعي هو بوابته الكبرى

