Le212news.ma
لم تعد الحدود في زمن الرقمنة و الذكاء الاصطناعي مجرد أسلاك شائكة، أو حواجز إسمنتية، أو دوريات أمنية تجوب المناطق العازلة. فالمتتبع لأحداث الأخيرة التي عرفتها مدينة سبتة المحتلة يقف أمام حقيقة أخرى تتحلى في ان مفهوم مراقبة الحدود يشهد تحولا عميقا، حيث انتقل فيه مركز الثقل من الضبط المادي إلى الضبط الرقمي، و أصبحت منصات التواصل الاجتماعي، والخوارزميات، والرسائل المشفرة، جزءا لا يتجزأ من معادلة الأمن الحدودي.
لقد شكلت موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها سبتة واحدة من أكبر الاختبارات الأمنية الحدودية التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. ففي ظرف زمني وجيز، توافدت أعداد كبيرة من الشباب نحو المدينة، مدفوعة بما راج عبر شبكات التواصل الاجتماعي من دعوات وإشاعات ومقاطع فيديو تحدثت عن “فتح الحدود” وإمكانية العبور الجماعي خاصة القرارات الأخيرة الصادرة عن السلطات القضائيةالإسبانية، المتعلقة بتقييد إمكانية تطبيق إجراء الإعادة الفورية على بعض المهاجرين غير النظاميينالذين يتم اعتراضهم في عرض،كل هذا جعل من الفضاء الرقمي ، ليس فقط مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل اصبح بذلك فضاء للتعبئة والحشد وصناعة السلوك الجماعي، وهو ما جعل الحدث يتجاوز كونه أزمة هجرة إلى كونه أزمة مرتبطة بحوكمة الفضاء الرقمي.
رد الفعل الإسباني… تعزيز الحدود والبحث عن الفاعل الرقمي
السلطات الإسبانية ، من جهتها ، تعاملت مع الحدث باعتباره أزمة أمنية غير مسبوقة، فعززت وجودها الأمني والعسكري حول سبتة، وأقامت تجهيزات إضافية على الحدود البحرية، ورفعت مستوى التنسيق مع الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس)، إلى جانب تكثيف عمليات إعادة المهاجرين وملاحقة شبكات تهريب البشر. كما اعتبرت مدريد أن ما وقع كشف عن هشاشة منظومة الإنذار المبكر، خاصة فيما يتعلق برصد الدعوات الرقمية التي سبقت عمليات العبور الجماعي.
الموقف المغربي… مسؤولية جماعية وليست اتهامات متبادلة
في المقابل، أكد المغرب، من خلال بلاغ صادر عن وزارة الداخلية، أن المملكة كانت ولا تزال شريكا مسؤولا في تدبير الهجرة، وأن ما وقع لا يمكن اختزاله في مقاربة أمنية أو في توجيه الاتهامات، بل يقتضي معالجة الأسباب الحقيقية التي تدفع الشباب إلى الانخراط في مثل هذه المغامرات.
قالت وزارة الداخلية المغربية، إن أحدث عمليات العبور الجماعي إلى مدينة سبتة كانت مدفوعة بمعلومات مضللة في منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الاتجار بالبشر.
وذكرت الوزارة في بيان “تؤكد وزارة الداخلية أن مختلف المعطيات التي جرى تجميعها وتحليلها أبانت أنهذه الأحداث لم تكن وليدة عوامل ظرفية أو تلقائية، وإنما جاءت نتيجة تفاعل عدة عوامل متداخلة، فيمقدمتها الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضللة، ودور عصابات الاتجار بالبشر،والتأويلات الخاطئة .
وشدد البلاغ على أن السلطات المغربية تدخلت لاحتواء الوضع، وأوقفت عددا من المحرضين والمنظمين، مؤكدة أن حماية الحدود مسؤولية مشتركة تستوجب تعاونا وثيقا بين الضفتين، وأن المملكة ترفض استغلال المآسي الإنسانية لأغراض سياسية أو إعلامية. كما جدد المغرب تأكيده على أن التعاون مع الشركاء الأوروبيين ينبغي أن يقوم على الثقة والاحترام المتبادل وتقاسم المسؤولية.
وأضافأن تدبير ظاهرة الهجرة لا يمكن أن يتم إلا في إطار مقاربة شمولية تقوم على المسؤوليةالمشتركة والتضامن الفعلي وتقاسم الأعباء، مؤكداً أن المملكة المغربية ستظل، كما عهدها شركاؤها،شريكاً موثوقاً ومسؤولاً، ملتزماً بتعزيز التعاون والتنسيق الدولي في مكافحة الهجرة غير النظاميةوالاتجار بالبشر
اجتماع وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي… الأمن الرقمي يدخل أجندة الحدود
الأزمة دفعت وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي إلى عقد اجتماع طارئ خصص لبحث تداعيات ما جرى في سبتة. وقد خلص الاجتماع إلى أن إدارة الحدود لم تعد تقتصر على تعزيز المراقبة الميدانية، بل أصبحت تتطلب بناء منظومة رقمية متكاملة لرصد التحركات المشبوهة على الإنترنت قبل تحولها إلى موجات هجرة فعلية.
وأكد الوزراء على مجموعة من التوجهات، من أبرزها:
- تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الدول الأوروبية وشركائها.
- تكثيف مراقبة المنصات الرقمية التي تستغل في التحريض على الهجرة غير النظامية.
- تشديد مكافحة شبكات تهريب البشر التي توظف وسائل التواصل الاجتماعي لاستقطاب المهاجرين.
- تعزيز التعاون مع دول العبور والمنشأ، وفي مقدمتها المغرب.
- تطوير سياسات أوروبية أكثر فعالية في مجال إعادة المهاجرين غير النظاميين.
- دعم أنظمة الإنذار المبكر القادرة على رصد الحملات الرقمية المنظمة قبل تحولها إلى تحركات ميدانية واسعة.
من الحدود الفيزيائية إلى الحدود الذكية
تكشف أحداث سبتة أن الحدود لم تعد تبدأ عند الأسلاك الشائكة، وإنما أصبحت تبدأ داخل الهاتف الذكي. فالموجة التي انتهت عند بوابات المدينة بدأت فعليا بمنشورات إلكترونية ورسائل متداولة ومقاطع فيديو انتشرت بسرعة هائلة، وهو ما يفرض إعادة تعريف مفهوم الأمن الحدودي.
لقد أصبح الأمن الرقمي امتدادا للأمن الترابي، وأصبح رصد المحتوى الرقمي وتحليل البيانات والتنبؤ بالحشود الافتراضية جزءا من منظومة حماية الحدود. فالحدود الذكية لا تعتمد فقط على الكاميرات والطائرات المسيرة وأجهزة الاستشعار، بل تعتمد أيضا على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة لرصد المؤشرات المبكرة للهجرة الجماعية.
خاتمة
ما جرى في سبتة يؤكد أن مستقبل تدبير الهجرة غير النظامية لن يحسم عند المعابر الحدودية فقط، بل في الفضاء الرقمي أيضا. فالتحول من الضبط المادي إلى الضبط الرقمي أصبح حقيقة تفرض نفسها على الدول، كما يفرض اعتماد مقاربة شمولية تجمع بين التنمية، ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، والتربية الإعلامية، والتعاون الأمني الدولي.
إن التجربة المغربية، بما راكمته من خبرة في تدبير الهجرة والتعاون الأمني مع شركائها، تؤكد أن حماية الحدود لم تعد مسؤولية دولة واحدة، بل مسؤولية جماعية تتطلب توازنا بين الأمن واحترام حقوق الإنسان، وبين مراقبة المجال الترابي وتأمين المجال الرقمي، لأن الحدود في العصر الرقمي أصبحت تبدأ من شاشة

