كتب / أحمد أكلكيم
تعيش العلاقات المغربية-التونسية واحدة من أسوأ مراحلها منذ الاستقلال، وذلك عقب الخطوة الاستفزازية التي أقدم عليها الرئيس التونسي قيس سعيّد، باستقباله زعيم الكيان الانفصالي خلال قمة تيكاد في صيف 2022. هذه الخطوة مثلت خرقًا واضحًا لقواعد الحياد الإيجابي التي دأبت عليها تونس في ملف الصحراء المغربية، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول خلفيات هذا الانزياح ومآلاته على المستوى الإقليمي.
على مدى عقود، نسجت المملكة المغربية والجمهورية التونسية علاقات متينة، قائمة على التاريخ المشترك والنضال ضد الاستعمار، حيث شكّل عام 1956 لحظة مفصلية في تاريخ البلدين بعد نيلهما الاستقلال. سادت آنذاك روح التضامن المغاربي، تُوّجت بمبادرات للتقارب الإقليمي، أبرزها تأسيس اتحاد المغرب العربي عام 1989، رغم عراقيل الجزائر الرافضة لأي حل سياسي لا يخدم أجندتها الداعمة لجبهة “البوليساريو” الانفصالية.
غير أن العلاقات المغربية التونسية شهدت، في السنوات الأخيرة، تدهورًا حادًا بلغ ذروته في أغسطس 2022، بعد استقبال الرئيس التونسي قيس سعيّد لزعيم الجبهة الانفصالية بمناسبة قمة تيكاد اليابانية الإفريقية. خطوة وُصفت في الرباط بـ”العداء الصريح للوحدة الترابية للمملكة”، وأسفرت عن استدعاء المغرب لسفيره في تونس، إيذانًا بأزمة دبلوماسية غير مسبوقة.
تونس والموقف التاريخي: من الحياد إلى الانحياز
ظلت تونس، منذ استقلالها، حريصة على التزام الحياد في القضايا الإقليمية، بما في ذلك ملف الصحراء المغربية، ودأبت على دعم الحل السياسي تحت إشراف الأمم المتحدة دون الانجرار إلى مواقف متطرفة. وقد احترم المغرب هذا الحياد، خصوصًا خلال فترة حكم الرئيس الحبيب بورقيبة، الذي نسج علاقات تعاون وطيدة مع الملك الراحل الحسن الثاني.
وعلى امتداد السنوات، لم يتردد المغرب في دعم تونس في فترات دقيقة. ففي عام 1980، وعقب الهجوم المسلح على مدينة قفصة من قبل جماعة مدعومة من نظام القذافي، سارع الملك الحسن الثاني إلى إعلان دعمه للرئيس بورقيبة. وفي سنة 2014، عندما شهدت تونس هجمات إرهابية أضرت بقطاعها السياحي، قام الملك محمد السادس بزيارة رسمية أظهرت تضامنًا علنيًا من خلال تجواله في شوارع العاصمة، في رسالة دعم قوية لتونس واستقرارها.
قيس سعيد والتحول الحاد: اصطفاف غير مبرر
التحول الذي شهدته السياسة التونسية تجاه قضية الصحراء يُطرح على ضوئه أكثر من تساؤل. ما الذي دفع رئيسًا، يُفترض أن يحافظ على حياد بلاده، إلى استقبال زعيم كيان غير معترف به من طرف الأمم المتحدة؟ تشير عدة تحليلات إلى أن هذا التحول ليس بريئًا، بل يأتي في سياق ضغوط إقليمية، أبرزها الضغط الجزائري المتواصل، في وقت يواجه فيه قيس سعيّد أزمة شرعية داخلية منذ تجميده البرلمان وتعطيله الدستور سنة 2021.
تونس اليوم، وفق هذا المنظور، تبدو وكأنها أداة في صراع جيوسياسي أوسع، إذ تحاول الجزائر توظيفها لتقوية موقف “البوليساريو” دوليًا، مقابل وعود بالدعم المالي أو السياسي في المحافل الدولية. إلا أن هذا الموقف قد يأتي بعكس ما يُرتجى، ويعمق عزلة تونس في الفضاء المغاربي، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من الدول الإفريقية والعربية بات يعترف بمغربية الصحراء، بل وافتتح قنصليات في العيون والداخلة دعمًا صريحًا للسيادة المغربية.
موقف المغرب من الدول التي لا تعترف بمغربية الصحراء
المغرب، من جهته، انتهج دبلوماسية الحزم، وأعلن بوضوح أنه لم يعُد يقبل “مواقف مزدوجة” أو “دعمًا مبطّناً” لأعداء وحدته الترابية. وقد ربط علنًا مستوى علاقاته الثنائية مع الدول بمواقفها من قضية الصحراء، التي يعتبرها “أولوية وطنية غير قابلة للمساومة”، وفق ما أكده الملك محمد السادس في خطبه الأخيرة. كما أن الرباط أعلنت بوضوح أن أي شراكة اقتصادية أو سياسية مستقبلية تمرّ عبر الاعتراف الكامل بمغربية الصحراء، معتبرة أن “من ليس مع المغرب في قضية صحرائه، ليس حليفًا يُعوّل عليه”.
نحو أفق جديد أم قطيعة مستمرة؟
رغم التوتر الحاصل، تبقى العلاقات بين الشعبين المغربي والتونسي راسخة، وتتجاوز مواقف ظرفية مرتبطة بحسابات ضيقة. وتاريخ العلاقات المغاربية يشهد على قدرة البلدين على تجاوز الأزمات، شرط توفر الإرادة السياسية واحترام الثوابت.
ختامًا، لن تُبنى شراكات مغاربية حقيقية على أرضية التناقض مع الشرعيات التاريخية والجغرافية. والرهان الحقيقي يكمن في إعادة تونس إلى موقعها الطبيعي كطرف محايد وبنّاء في المنطقة، واحترام وحدة المغرب الترابية، بما يخدم مستقبلًا مغاربيًا مشتركًا لا مكان فيه لكيانات وهمية أو أجندات خارجية.

