الصراع الأمريكي الصيني حول ريادة الذكاء الاصطناعي
نيويورك : عبد الكريم مومن
في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة، أصبح الذكاء الاصطناعي (AI) أحد أهم المجالات التي تُحدد ملامح المستقبل الاقتصادي والعسكري والثقافي للعالم. وفي هذا الصدد، تتصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، حيث تسعى كل منهما إلى تحقيق الريادة العالمية في هذا المجال الحيوي. وتشهد هذه المنافسة مشاركة بارزة من قبل علماء ومهندسين بارزين من الجانبين، مما يجعلها معركة تقنية وفكرية بامتياز.
أب الذكاء الاصطناعي: بداية القصة
يعود الفضل في تأسيس مجال الذكاء الاصطناعي إلى عالم الكمبيوتر الأمريكي آلان تورينج، الذي يُعتبر أحد الآباء المؤسسين للنظرية الحديثة للحوسبة. وفي خمسينيات القرن الماضي، قدم جون مكارثي، العالم الأمريكي، مصطلح “الذكاء الاصطناعي” وأسس أول مختبر مخصص لهذا المجال في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT). كما ساهم مارفن مينسكي، عالم الإدراك الأمريكي، بشكل كبير في تطوير نظريات التعلم الآلي والشبكات العصبية.
توالي التنافس بين المهندسين والعلماء
مع تطور الذكاء الاصطناعي، برزت أسماء لامعة من الجانب الأمريكي والصيني، حيث أصبحت هذه المنافسة شخصية إلى حد ما بين علماء ومهندسين بارزين.
الجانب الأمريكي:
1- جيفري هينتون:
يُعتبر هينتون أحد رواد التعلم العميق (Deep Learning)، حيث طور تقنيات ثورية في الشبكات العصبية الاصطناعية. يعمل حاليًا في جوجل ويُعتبر أحد أهم العقول في مجال الذكاء الاصطناعي.
2- يوشوا بنجيو:
عالم كندي من أصل فرنسي، يعمل في الولايات المتحدة ويُعتبر أحد أبرز الباحثين في مجال التعلم الآلي. حصل على جائزة تورينج عام 2018 تقديرًا لإسهاماته في تطوير الذكاء الاصطناعي.
3- أندرو إنغ:
عالم ومهندس أمريكي من أصل صيني، يُعتبر أحد أبرز وجوه الذكاء الاصطناعي في العالم. أسس مشروع “Google Brain” وساهم في تطوير منصة “Coursera” للتعليم عبر الإنترنت.
4- إيلون ماسك:
رجل الأعمال الأمريكي، مؤسس شركة “Neuralink” التي تعمل على تطوير واجهات بين الدماغ والحاسوب. يُعتبر ماسك من أبرز الداعمين للبحوث في مجال الذكاء الاصطناعي، رغم تحذيراته المتكررة من مخاطره، وهو صاحب فكرة الشريحة في دماغ الإنسان لربط الذكاء العضوي بالذكاء الاصطناعي.
الجانب الصيني: الحضور المتأخر لكن بقوة (من الدفاع للهجوم)
1- أندرو وو (وو إيندا):
عالم صيني بارز في مجال الذكاء الاصطناعي، يشغل منصب رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في شركة “بايدو”. يُعتبر أحد أبرز المنافسين للعلماء الأمريكيين في هذا المجال.
2- تشنغدونغ لين:
عالم صيني يعمل في مجال معالجة اللغة الطبيعية (NLP)، ويُعتبر أحد أبرز الباحثين في تطوير نماذج اللغة مثل “BERT” و”GPT”. يعمل حاليًا في شركة “تينسنت”.
3- كاي فو لي:
رائد أعمال وعالم صيني، يُعتبر أحد أبرز وجوه الذكاء الاصطناعي في الصين. أسس شركة “Sinovation Ventures” وساهم في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي في الصين.
4 – تشنغ مينغ:
عالم صيني يعمل في مجال الرؤية الحاسوبية، ويُعتبر أحد أبرز الباحثين في تطوير أنظمة التعرف على الوجوه، التي تُستخدم على نطاق واسع في الصين.
أبعاد المنافسة
1- البحث والتطوير:
تتمتع الولايات المتحدة ببنية تحتية بحثية قوية، مع وجود مراكز أبحاث متقدمة وشركات ناشئة مبتكرة. ومع ذلك، تتفوق الصين في عدد الأبحاث المنشورة في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت أكبر منتج للأوراق العلمية في هذا المجال، رغم أن إيلون ماسك قلل بل سخر من الذكاء الاصطناعي الصيني بعد ظهور دييب سييك الصيني وتصدره لمتجر آبل وتكاليفه الرخيصة جدا مقارنة بمنافسيه.
2 الاستثمارات:
بين ضخ الأموال وإغراء العلماء
وفقًا لتقارير حديثة، تستثمر الصين بشكل كبير في الذكاء الاصطناعي، حيث يُقدر إنفاقها بأكثر من 30 مليار دولار سنويًا، مقارنة بحوالي 20 مليار دولار للولايات المتحدة ( قبل إعلان ترامب تخصيص نصف ثريليون دولار). كما تسعى الصين إلى جذب الكفاءات العالمية من خلال برامج حوافز مالية وبحثية.
3- التطبيقات العسكرية:
يُعتبر الذكاء الاصطناعي عنصرًا رئيسيًا في التحديث العسكري لكلا البلدين. تستخدم الولايات المتحدة الذكاء الاصطناعي في أنظمة الدفاع والمراقبة، بينما تعمل الصين على تطوير أسلحة مستقلة وأنظمة مراقبة متطورة.
4ا لسياسات الحكومية:
تتبنى الصين سياسات حكومية داعمة للذكاء الاصطناعي، مع تركيز على التصنيع الذكي والمدن الذكية. من ناحية أخرى، تواجه الولايات المتحدة تحديات تتعلق بالتنظيم وخصوصية البيانات، مما قد يعيق تقدمها في بعض المجالات.
التحديات والتداعيات والعلاقة مع الأمن القومي:
يُعتبر الذكاء الاصطناعي سلاحًا استراتيجيًا، حيث يمكن استخدامه في الحرب الإلكترونية والمراقبة الجماعية. هذا يزيد من حدة التوتر بين البلدين، خاصة في ظل اتهامات متبادلة بالقرصنة والتجسس.
الاعتماد على التكنولوجيا:
تعتمد الصين على الشركات الأمريكية في بعض التقنيات الأساسية، مثل أشباه الموصلات، مما يجعلها عرضة للعقوبات الأمريكية. وفي المقابل، تعتمد الولايات المتحدة على الصين في تصنيع العديد من المكونات الإلكترونية.
التأثير العالمي:
تُشكل المنافسة بين البلدين تحديًا للدول الأخرى، حيث قد تضطر إلى الاختيار بين التعاون مع الولايات المتحدة أو الصين، مما قد يؤثر على التحالفات الدولية.
أي مستقبل وأي حرب على الزعامة على الأبواب
يتوقع الخبراء أن تستمر المنافسة بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي لعقود قادمة خصوصا بعد إعلان الرئيس المنتخب ترامب عن تخصيص ميزانية 500 مليار دولار لابحاث وتطوير الذكاء الاصطناعي، وخصوصا بعدما هوت أسهم شركات التقنيات الجديدة بمقدار ثريليون دولار خلال بداية سنة 2025
ومع ذلك، قد تكون هناك فرص للتعاون في مجالات محددة، مثل وضع معايير أخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي أو التعامل مع التحديات العالمية مثل تغير المناخ.
في النهاية، يُعتبر الذكاء الاصطناعي ليس فقط مجالًا للتنافس التكنولوجي، ولكن أيضًا ساحة جديدة للصراع الجيوسياسي، حيث ستحدد نتائج هذه المنافسة ملامح النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين.
واشد ما أخشى عليه كملاحظ ومحلل هو خطورة الذكاء الاصطناعي مستقبلا على حقوق الملكية الصناعية والفكرية والاسرار العلمية وهو مجال سوف اتطرق له بتفصيل في مقال قادم.

