Le212news.ma
انعقدت أمس الجمعة بولاية ألاسكا الأمريكية القمة التي جمعت الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في لقاء وُصف بأنه أحد أكثر المحطات السياسية إثارة للجدل في المشهد الدولي الراهن. فبينما يتواصل النزاع الروسي–الأوكراني بتداعياته الأمنية والاقتصادية على أوروبا والعالم، يعود إلى الأذهان سؤال ملح: هل يمكن اعتبار قمة ألاسكا نسخة جديدة من يالطا التي انعقدت قبل ثمانين عاماً تقريباً؟
يالطا: تقسيم العالم بعد حرب كونية
في فبراير 1945، وقبل أشهر قليلة من نهاية الحرب العالمية الثانية، اجتمع الزعماء الثلاثة: جوزيف ستالين وفرانكلين روزفلت وونستون تشرشل، في مدينة يالطا بشبه جزيرة القرم. كانت الغاية تقاسم النفوذ، ورسم معالم النظام الدولي الجديد، وإرساء أسس منظمة الأمم المتحدة. لكن تلك التفاهمات سرعان ما تحولت إلى خطوط تماس بين المعسكرين الشرقي والغربي، لتدخل البشرية مرحلة الحرب الباردة التي استمرت لعقود.
ألاسكا: صراع حاضر ورهانات مستقبلية
قمة ألاسكا جاءت في سياق مختلف لكنه لا يقل خطورة. فالحرب الروسية–الأوكرانية التي اندلعت منذ 2022 أعادت مشهد الاصطفافات الكبرى:
- الغرب بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا يدعم كييف سياسياً وعسكرياً ومالياً.
- روسيا تعتبر الحرب معركة وجودية ضد تمدد الناتو نحو حدودها.
اللقاء بين ترامب وبوتين حمل دلالات رمزية عميقة، خصوصاً أنه يأتي في ظل ضغوط غربية متزايدة لإيجاد صيغة تنهي النزاع أو على الأقل تحد من اتساعه، وسط إدراك أن استمراره يهدد الأمن الطاقي والغذائي العالمي.
بين الماضي والحاضر: أوجه التشابه والاختلاف
- التشابه يكمن في محاولة القوى الكبرى الجلوس لرسم ملامح التوازنات الدولية في لحظة أزمة.
- الاختلاف جوهري: في يالطا كان المنتصرون يتقاسمون الغنائم بعد حرب كونية، أما في ألاسكا فنحن أمام حرب لم تُحسم بعد، ومعادلات لم تتضح نهايتها، في ظل صعود قوى أخرى كالصين والهند، وهو ما يجعل أي تفاهم ثنائي غير كافٍ لرسم صورة النظام الدولي الجديد.
مساعي الغرب وحدودها
تسعى العواصم الغربية إلى دفع موسكو نحو تسوية سياسية تضمن وحدة أوكرانيا وتوقف النزيف الاقتصادي والعسكري. غير أن موسكو تبدو متمسكة بمكاسبها الميدانية وتسعى إلى تحويلها إلى اعتراف دولي. وهنا يظل احتمال أن تتحول قمة ألاسكا إلى مجرد إدارة للأزمة أقرب إلى الواقع من أن تكون “يالطا جديدة” تعيد رسم الخريطة الدولية.
ردود الفعل الأوروبية والصينية
الاتحاد الأوروبي تابع القمة بترقب وشيء من القلق. فبروكسيل تخشى أن يؤدي أي تقارب أمريكي–روسي إلى تهميش الدور الأوروبي في الملف الأوكراني، خاصة وأن القارة هي الأكثر تضرراً من الحرب على المستويات الأمنية والطاقية. لذلك شدد مسؤولون أوروبيون على أن أي تسوية يجب أن تمر عبر قنوات جماعية، وليس تفاهمات ثنائية قد تعيد أجواء “تقاسم النفوذ”.
أما الصين، فبدت أكثر هدوءاً في التعاطي مع قمة ألاسكا. فهي ترى أن أي انفتاح أمريكي على موسكو قد يشكل تحدياً لتوازنات بكين مع الكرملين، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن استمرار الحرب يفتح أمامها مجالات أوسع للنفوذ الاقتصادي والدبلوماسي. لذلك حرصت على التذكير بمبادرتها للسلام التي أطلقتها العام الماضي، في محاولة لتأكيد موقعها كفاعل لا غنى عنه في صياغة أي نظام دولي جديد.
خاتمة
بين يالطا وألاسكا ثمانون عاماً من التحولات الجيوسياسية، لكن الثابت أن القمم بين القوى الكبرى تظل محطات مفصلية في تاريخ العلاقات الدولية. وإذا كانت يالطا قد دشنت الحرب الباردة، فإن قمة ألاسكا قد تشكل بداية مرحلة جديدة عنوانها البحث عن توازنات عالمية في ظل حرب لم تجد بعد طريقها إلى النهاية

